مقالات

اكرم هلال يكتب ” خليك فهلوي “

قول وانا أقول

خليك فهلوى كلمة أصبحت ذائعة الصيت بل أصبحت كالنار في الهشيم الكلمة جاءت منين ولمين وازاى حكاية هنحكيها مع بعض في قول وانا أقول, وخصيمك النبى بلاش تعملى فيها فهلوى.

كلمة (الفهلوي) في لغتنا العربية بمعنى المحتال، كما جاءت بمعنى الشاطر والبارع والذي يستطيع أن يتكيف مع متغيرات المجتمع.

اذن الفهلوي هو شخص متأقلم مع جميع الظروف، لديه القدرة الخارقة على تغيير جِلده وقلبه وعقله، بل ومبادئه أيضاً إذا لزم الأمر. يُقنعك بجميع الأشياء وعكسها، خبراته الحياتية أعمق بكثير من أن تواجهها بقناعاتك المتحجرة، نظرته للحياة بكل تفاصيلها دائماً يُجانبها الصواب، يجعلك تنبهر بتحليلاته التي ربما لا تروق لقناعاتك، لكنها تستوقفك طويلاً.

وبالبحث عن أصل الكلمة تبين أنها من اللغة الفارسية القديمة وتعني (ماهر وبارع وشاطر وقادر على التكيف السريع مع متغيرات المجتمع) وهناك فى مجتمعنا أمثلة كثيرة جدًا يمكن أن نذكرها وهي على سبيل المثال وليس الحصر، الموظف الفهلوي هذا الموظف الذي يذهب إلي عملة كل يوم لقضاء حوائج الناس وإذا به يبدأ يومه بالإفطار الموسع ثم ينتقل إلى الحديث مع زملائه رويدا رويدا، ثم شرب الشاي، ولا يرد على عملاء الجهة التى يعمل بها أو من يحضرون لتخليص أوراقهم، ولا زالت (فوت علينا بكرة يا سيد ) لديه سيدة الموقف.

عموما تحوّلت الفهلوة من نتاج فكرة يحتكرها البعض في تعاملاتهم إلى قانون يمشي بين الناس على الأرض، إذ تناقلتها الأجيال المتعاقبة، جيلاً بعد جيل، وأورثتها الحكومات في نفوس الناس بالبيروقراطية والضحالة، فلجأ الناس إلى اختراع ذلك القانون وسمّوه “خليك حِدق وفهلوي ومشي حالك”، حتى باتت سمة يتميز بها قطاع عريض من الناس، بل ويفخرون بها!، ومنذ ذلك الحين أصبحت تلك الثقافة تمثل عائقاً كبيراً أمام أي محاولة اجتهادٍ أو طموح.

في واقعنا المعاصر ستعرف قيمة تلك العبارة المتوارثة “خلّي لسانك حلو”، الذي يوصيك بها المقربون من حولك أثناء دخولك معترك الحياة، يغرس بداخلك بعض القواعد التي جعلتهم في أماكنهم التي يغبطهم الكثيرون عليها، وكلما استمعت لهم غالوا في نصائحهم الثمينة، ويا لها من سعادة إذا مكّنتهم من أُذنيك، فسيقول لك أحدهم ناصحاً: “عشان تعيش في الدنيا لازم تتعلم تبلف اللي قدامك بكلمتين حلوين وهيسيح معاك زي الحلاوة”.

ثم يستطرد بعدما تمتلئ سحنته بثقة قوية حين يراك مندهشاً من حديثه: “انت لسَّه عضمك طري، اسمع كلامي واعمل اللي أقول لك عليه دون نقاش، عشان توصل زيي”.

كل تلك القوانين الحياتية التي اخترعها البعض لمسايرة الواقع هي بالأساس منبثقة من القانون الأعظم والمُشرّع الأسمى والأب الروحي ألا وهو قانون “الفهلوة”!.

هنا، يمكنك أن تستريح قليلاً بذهنك الشارد في ملكوتٍ لا يُشبهك، مستدعياً ما تعلمته ودرسته وقرأته فلا تجد شبيهه في الواقع اليومي، فتسقط كل نظرياتك دفعة واحدة إزاء هذا الكم من القوانين، وعن قصد تجد نفسك تطلق برحابة صدرٍ وبكل جرأة من أعماق أعماقك كلمة إسكندرانية شهيرة للتعبير عن عدم استيعابك لهذه الثقافة الجديدة.

( معلش اللى مش عارف الكلمة يتواصل خاص علشان مش هعرف اكتبها هنا )

فالعبرة عند الكثير ليست أن تكون موظفاً أميناً، أو تاجراً شريفاً، أو شخصاً منضبطاً في مواعيده، العبرة باتت كيف تستطيع “دهن الهوا دوكو”، كيف يُمكنك أن تقتنص الفرص وتختصر المسافات بأقل مجهود لتصل لمرادك، حتى ولو على طموحات الآخرين!

فأنت إذا كنت من أولئك الهادئين الهائمين الذين يُنجزون مهامهم الوظيفية في صمت دون أية ثرثرة أو ادعاءات فارغة، فغالباً لن تُكمل عامك الأول إلّا وقد تعكر صفوك، ولو قمت بتحفيز نفسك وسط هذا الجو المشحون بالحقد فلن تحظى بترقية تستحقها، وسيتهمونك بعدم المرونة والتكيف مع الوضع، وهم بالتأكيد لم يقصدوا المرونة التي تعتمل في عقلك من تطوير مهاراتك وتغيير استراتيجياتك في الحياة.. لا.. لكنهم يقصدون مرونة الحديث “المدهنن” الذي يمتاز برائحة القُرُنفُل.

لكن العجيب في الأمر، ستجد أن غالبية الذين يتمسكون بقانون الفهلوة ناجحين ومتصدرين وظائف خيالية، وأمّا أولئك المتحذلقون “أصحاب نشر المبادئ وتوعية المجتمع”، فإمّا جالسون يندبون حظهم في انتظار نجدة السماء لتنقذ ما تبقى من إنسانيتهم أو مُحافظون على وظائفهم بينما قلوبهم وعقولهم في عالم آخر، وتلك تحديداً آفة كبرى من آفات هذا الزمن. يُذكرني هذا المشهد بالحاصلين على شهادة الثانوية العامة، فتجد أصحاب الـ50% في وظائف قيادية في مختلف المجالات، أمّا أصحاب الـ100% فغالباً لم تسمع لهم صوتاً.

 الفهلوة كمان بوشين:

كما ان للفهلوة ذلك ” الوش القبيح” الذى تحدثنا عنة فى الجزء الاول من المقال يجب ان نسأل السؤال المنطقي : هل يمكن أن تكون للفهلوة “وش تانى”؟

نعم، يمكن، فأظن أن بين هؤلاء الفهلوية شخصيات درامية صنعها كُتاب روائيون وكُتاب سيناريست، منها على سبيل المثال لا الحصر، شخصية “المعلم عبدالغفور البرعي” و”المعلم إبراهيم سردينة” عن رائعة “لن أعيش في جلباب أبي” للمبدع الراحل إحسان عبدالقدوس، فتحكي عن قصة صعود رجل من القاع إلى القمة وتمسّكه بالعادات والتقاليد.. أمّا ثاني أبرز شخصية في الدراما المصرية روّجت للفهلوة كان الحاج “متولي سعيد” عن مسلسل “عائلة الحاج متولي” للسيناريست والمؤلف “مصطفى محرم”، وناقشت تعدد الزوجات ونهم الرجل الشرقي بالجنس الآخر.

جميعهم كانوا فهلويين من أرض الواقع أظهروا الجانب المشرق للفهلوة، فهلوية في الحب والسياسة والتجارة، لم يُروّجوا للكذب والخداع والتضليل، لم يفرضوا قانون المصالح الأعمى، لم يكونوا متجبّرين يتحكمون في أقوات الناس وإخضاعهم وإذلالهم بلقمة العيش، فقد سايروا مصالحهم دون خرق للأعراف والعادات والتقاليد،  وأثبتوا يقيناً أن النجاح والطموح ليس لهما علاقة بكم حصلت على الشهادات؟ ولا كم قرأت من الكتب؟ بل كم استفدت من واقعك وتجاربك! وكيف تحب أن ترى نفسك في المستقبل؟.. وللأسف، إذا أمعنت النظر قليلاً تكتشف أن أكثرية المنتهزين هم من أرباب الشهادات العلمية والمجاميع العالية!

ويحيط بنا العديد من الشخصيات الفهلوية من هذا النوع وعلى كافة الأصعدة والمستويات. فهناك المثقف الفهلوي الذي يخطف كلمة من هنا ويسرق مقالا من هناك ويحاول أن يفرض نفسه على السياق الثقافي كمثقف واعد وحقيقي. والتاجر الذي يؤسس تجارته على بيع أي شيء وتحقيق أي مكسب دون فهم حقيقي لمفهوم التجارة وأهميتها المجتمعية. ورجل الأعمال الذي يسابق التاجر في فهلوته مؤسسا لصناعة وهمية من خلال التركيز على استيراد أي شيء وترويج أي بضاعة. والحرفي الذي يوهمك بإمكانياته التي يثبت فشلها بعد قيامه بالمطلوب منه.

كما تذهب الفهلوة لما هو أبعد من ذلك وأخطر في مجالات مثل الصحة حيث يوهمنا بعض الأطباء بخبراتهم الواسعة، معتمدين على ضعفنا الإنساني أمامهم إلى أن ينتهي بنا الحال بين أيدي رب العباد، نشتكي له ما حدث بعد فوات الأوان. والغريب في الأمر أن الشخصيات الفهلوية غالبا ما تتواءم مع بعضها البعض وتتفق بغض النظر عن مجال تخصصها وطبيعة عملها؛ حيث يجمعها في النهاية خطاب الفهلوة بتفسيراته وتأويلاته الفضفاضة والعبثية في الوقت نفسه.

كما نجد ان ل “ابن خلدون ” رأى ايضا فى الفهلوى حتى وان كان غريب بعض الشى خاصة فى الشخصية المصرية حيث يقول: «إن أهل مصر يميلون إلى الفرح والمرح والخفة والغفلة عن العواقب» وهذا يفسر لدى البعض كون المصريين حكموا بحكام أجانب فى معظم مراحل تاريخهم فإذا اشتد بهم الكرب من عسف الحاكم استعانوا بالنكات اللاذعة والسخرية لتخفيف إحساسهم بالمرارة.

والفهلوة نتجت عبر مئات السنين لأنها تخاف السلطة دائما ولكنها تطيعها، وهناك فاصل دائم بين الفهلوة والسلطة.

خاصة وان المصرى لا يطمئن عامة إلا إذا ارتكن إلى السلطة أو اقترب منها، وهو يجمع بين متناقضين هما تملق السلطة ونقدها اللاذع فى الوقت نفسه ونقده مختلف عن كل الشعوب فهو يستخدم سلاح النكتة الآمن.

ولا ينكر ان شخصية الفهلوى أصابت كل المستويات الاجتماعية المصرية وفى كل المجالات حتى الدينية والعلمية والسياسية.

وأزعُم أنه دور حميد للكُتّاب والمؤلفين الذين خاضوا رحلتَي البحث والتنقيب عن شخصيات مؤثرة من المجتمع صنعت نفسها بالقيم والمبادئ ووصلت إلى ما أرادت دون أن تحصل على شهادة علمية مرموقة، فقدمتها للمشاهد والقارئ كمادة خصبة للتعلم والفهم.

أن مصطلح الفهلوة يتعلق بالمصريين وحدهم، ولا يوجد له مثيل أو مقابل لغوي في كل لغات العالم، إنها “نتاج الإنسان المصري القديم فكان يستخدم الفهلوة هرباً من فرض الضرائب الباهظة من قِبل الحكومة، فضلاً عن حيلهم في تخليص مصالحهم المعطلة”.

نتعلم من هذه الرحلة التي تحتاج إلى بحث مضنٍ أكثر من مقال عابر, حتى وان اعتقدت انه طويل بعض الشيء. شيئاً في غاية الأهمية والغرابة معاً، أن “العشوائية تختلق ثقافة مثلما يختلق الانضباط ثقافة، وكلاهما منتوج من تجارب وتراكمات طويلة قد استقرت في النفس”.

فنجد ان هذا التفنن في تضييع وقت الجهة التي يعمل بها ذلك الموظف ووقت الناس يسميه هو فهلوة، رغم ما يصنعه من زحام كثير، لأن كل الاوراق المؤجلة وكل الأعمال المؤخرة تجبر المذيد من الناس الى التحرك في المواصلات والممرات والطرقات والقاعات والمكاتب في محاولة تكرار ما يفعلوه للحصول على اغراضهم، فهو الذي يأتي فيقال له الأوراق ليست كاملة حتى ولو كانت كاملة، فينقصها توقيع تلك الموظفة التي حصلت على إجازة بدون مرتب لرعاية ابنها الرضيع، أو ينقصها توضيح الختم الذى قام بالضغط علية ذلك الموظف الذى كان يمسك بيده ” ساندوتش” اثناء الضغط , بينما يده الاخرى كانت مشغولة “بكوباية الشاى السخنة” ، أو (فتح الدرج ووضع الشاي بالياسمين).

تحليل مبسط للفهلوى:

اخيراً: الفهلوى برغبته الدائمة والملحة فى تأكيد الذات يشعر فى قرارة نفسه بالسخط على الأوضاع التى توجد التمايز والتفرقة أيا كان نوعها , مهما كانت أسبابها ومبرراتها , ويتفرع من ذلك عدم الاعتراف بالسلطة أو الرئاسة , والتنكر لها فى أعماق الشعور , مع أنه فى الظاهر يبدى الخضوع ويستخدم عبارات فيها مبالغة شديدة للتفخيم ( أفندى و بيه و باشا , سعادة الباشا ) , ويلجأ إلى طقوس زائدة عن الحد للتعبير عن الاحترام , ويخفى كل ذلك الشعور بالامتعاض ,  ويعبر عنه أحيانا بقوله : ” فلان عامل ريس ” أو” عايش فى الدور “. فالفهلوى لا ينظر إلى السلطة أو الرئاسة على أنها ضرورة من ضرورات التنظيم , يتطلبه توزيع المسئوليات وتحمل الأعباء فى التنظيم الاجتماعي أو الإداري , ولكنه ينظر إليها على أنها قوة قاهرة يذعن لها إذعانا لما تبعثه فى نفسه من الهيبة والخوف .

كما إن أهم الأسلحة التى تتزود بها شخصية ” الفهلوى ” هى عملية ” الإسقاط ” , لكى يزيح المسئولية عن نفسه ويلقيها على غيره من الناس , أو على ظروف خارج نطاق الذات تبرر ما يقع فيه  من مواقف الخطأ أو التقصير .

وبذلك لا يقوم الفهلوى بالعمل نتيجة شعوره الداخلى بالواجب ,  ولكن بدافع الطمع فى الكسب أو الخوف من العقاب , وما يقوله ويفعله هو دائما ” لحاجة فى نفس يعقوب ” كما يصفها الشارع المصرى , وليس لتحقيق الذات بالعمل الإجتماعى المنتج ( ربما يفسر هذا المحاولات المستميتة لدى المصريين للتهرب من العمل , ويؤكد هذا الإحصائية القديمة التى بينت أن إجمالى الإنتاج لدى الشعب المصرى يساوى فى المتوسط 27 دقيقة عمل يوميا لكل فرد .

ومن مظاهر الإسقاط الواضحة كثرة الشكوى من الزمان والتبرم من كيد الآخرين وإلقاء التبعة فى كل مشكلة على ” الحكومة ” أو على ” البلد اللى من غير عمده ” أو على ” الإدارة ” , أو أى قوة أخرى غير الشخص أو الجماعة المسئولة .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى