حوادث

اكرم هلال يكتب عن / أبطال السنة ونوابغ الأمة ( 1 )

الإمام مسلم

كثيرا ما نجد مخرجي الافلام السينمائية وهم يطلقون على فنانيهم ونجومهم أبطال ( بطل الفيلم بطل المسلسل ) برغم انه من الأفضل واللائق لهم أن يكتب على “افيشات ” أفلامهم أو مسلسلاتهم.

نجوم العمل

الفنان / …………………..

ولنا كأمة لديها أبطالها ان يتركوا لنا التحدث عن أبطالنا الحقيقيين من الرواة والأئمة والعلماء والمحاربين.

ونحن بذلك لا ننتقص من نجومنا شيئا ولا من فنهم وابداعاتهم , ولكن هم فنانين فمن حقنا ان نعرفهم كفنانين ,

ولكن من حقنا أيضا ان نعرف ابطالنا الحقيقيين ومنهم بطنا اليوم.

هل تعرفون من هو بطل اليوم؟

وهل يستحق البطولة أم لا ؟

عموماً علينا أن نبدأ ومن ثم نقرر. انه :

انه الإمام )مسلم( صاحب أصح كتاب في السنة النبوية بعد صحيح الإمام البخاري, من عاشر المؤمنين, “العلم” من أعلام السنة النبوية الشيخ التام القامة الأبيض الرأس واللحية الذى يرخي طرف عمامته بين كتفيه(سير أعلام النبلاء:12/570)؛ الذى زاده العلم والتقوى والورع مهابةً ووقارا.

أعرفتم من هو..؟.

إنه الثقة الحافظ أمير المؤمنين في الحديث انه من تحمل الكثير من الانتقادات ومن الهجوم اللاذع, فهو من تعلم منه الكثير ومن تجاهله الأكثر, وفي هذه السطور علينا أن نتأمل في شخصيته, بداية من التعريف به الي حياته في جمع الاحاديث في صحيحه.

بداية انه أبو الحسين الإمام مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، والقُشيري نسبة إلى قُشير قبيلة من العرب معروفة سميت باسم جدها قُشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة (لمزيد النسب راجع: مستفاد الرحلة والاغتراب:55-56/ التمييز والفصل:1/335).

قال عنه الإمام النووي رحمه الله “القشيري نسباً، النيسابوري وطناً ،عربي صليبة، ( يعني عربي خالص النسب )؛ من (أصلاب العرب) وهو تعبير تستعمله العرب للدلالة على خلوص النسب العربي.

ومنه قوله تعالى: (( وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ )) وهو أحد الأعلام في هذا الشأن- يعني في علم الحديث-” (شرح النووي على صحيح مسلم،1/10).

ولد هذا البطل العالم في السنة الواحدة والستين بعد المائتين للهجرة النبوية على أرجح أقوال أهل العلم،

النشأة :

نشأ الإمام مسلم في بيت علمٍ وجاهٍ؛ فقد كان أبوه من الصالحين وكان متصدراً لتربية الناس وتعليمهم، فانظروا إلى أهمية صلاح الأب وكونه قدوة في صلاح الأبناء وحفظهم من بعده ويكفينا في ذلك قول الحق جل في علاه:{..وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا..}(الكهف:80).

تعاهده أبوه بحسن التربية ودفعه ل ” حلقات ” العلم؛ فكان ثمرة جهده ذلك العالم الجهبذ؛ فأين من يهملون تربية أبنائهم وتوجيههم نحو الخير ثم يرجون ثمرة حلوة من هذا المثال العملي..؟.

بدأ الإمام مسلم طلب العلم وسماع الحديث وهو في الثانية عشرة من عمره، وقد تأثر بأبرز مشايخه الإمام البخاري رحمه الله؛ فَشُغِفَ بحب العلم وكان حريصاً على تمييز الأحاديث الصحيحة من غيرها، ومعرفة علل الحديث والاطلاع على أحوال الرواة ومعرفة عدالتهم وضبطهم وأمانتهم وصدقهم ومعيشتهم ومسكنهم ومولدهم ووفياتهم ولقائهم فيما بينهم، ومقارنة الأسانيد بعضها ببعض ومعرفة اتصالها وانقطاعها وغير ذلك من فنون العلم، كل ذلك بدأ به في سن الثانية عشرة من عمره فأين شباب أمة الإسلام العظيمة اليوم..؟.

لمن كان يسمع الأمام ( مسلم )

رحل الإمام مُسلم .. لا لا . لا أقصد هنا رحل الامام مسلم أي ” مات ” بل أقصد رحل من مكان الى اخر.

رحل الإمام مُسلم إلى العراق، والحجاز، والشام، ومصر، ليشاهد ويسمع من يحيى بن يحيى النيسابوري، وقتيبة بن سعيد، وإسحاق بن راهويه، ومحمد بن عمرو زنيجا، ومحمد بن مهران الحمال، وإبراهيم ابن موسى الفراء، وعلي بن الجعد، وأحمد بن حنبل، وعبيد الله القواريري، وخلف ابن هشام،

وسريج بن يونس، وعبد الله بن مسلمة القعنبي، وأبي الربيع الزهراني، وعبيد الله بن معاذ بن معاذ، وعمر بن حفص بن غياث، وعمرو بن طلحة القناد ومالك بن إسماعيل النهدي، وأحمد بن يونس، وأحمد بن جواس، وإسماعيل بن أبي أويس، وإبراهيم بن المنذر، وأبي مصعب الزهري، وسعيد بن منصور، ومحمد بن رمح، وحرملة بن يحيى، وعمرو بن سواد، وغيرهم رحمهم الله.

فأين أبناء الأمة اليوم الذين يكتفون بالكتاب المقرر أو البعض القليل من الانتاجات الفنية التي تتحدث عن الاسلام وأبطاله من العلماء والمحاربين. هذا ان كانوا يشاهدونها من الأساس, فهم وللأسف الشديد لا يرحلون لطلب العلم حتى إلى المكتبات التي في مدينتهم وأحياناً حتى التي في بيوتهم.

بل وكان يرحل الى بعض البلدان غير مرَّة- مثال بغداد التي رحل اليها اكثر من مره وحَدَّثَ بها، وقد روى عنه من أهلها: يحيى بن صاعد، ومحمد بن مخلد. وآخر قدومه بغداد كان في سنة 259هـ.

وقد جمع الإمام مُسلم كتابه “المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وآلة وسلم” المعروف بكتاب “صحيح مسلم” من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة – كما ذكر هو بنفسه رضي الله عنه-، ويمثِّل هذا الكتاب أهميَّةً كبيرةً في علوم الحديث الشريف وله منزلة لم يبلغْها كتاب مثله باستثناء “صحيح البخاري”.

الذى كان أسوةً وقدوةً للإمام مُسلم في منحاه العلمي، أقصد هنا بالطبع الإمام البخاري ,

 

الأمام البخاري في حياة الإمام مسلم :

قال الخطيب البغدادي: “إنما قفا مُسلم طريق البخاري ونظر في علمه، وحذا حذوه، ولمَّا ورد البخاري نيسابور في آخر أمره لازمه مُسلم وأدام الاختلاف إليه”.

وكان الإمام مُسلم يُجلُّ الإمام البخاري، وله معه مواقف تدل على التبجيل والإكبار والإعزاز؛ فعن أبي حامد أحمد بن حمدون القصار قال: “سمعت مُسلم بن الحجاج -وجاء إلى محمد بن إسماعيل البخاري فقَبَّلَ بين عينيه- وقال: دعني حتى أُقَبِّلَ رجليْك يا أستاذ الأستاذين، وسيِّد المحدِّثين، وطبيب الحديث في علله”.

وكان الإمام مُسلمٌ أيضًا يناضل عن البخاري حتى أدَّى ذلك إلى وقوع جفاءٍ بينه وبين محمد بن يحيى الذهلي أحد أئمة نيسابور الذين كان يجلس الإمام مُسلم إليهم، فعن أبي عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ قال: “لما استوطن محمد بن إسماعيل البخاري نيسابور؛ أكثر مُسلم بن الحجاج

الاختلافَ إليه، فلمَّا وقع بين محمد بن يحيى والبخاري ما وقع في مسألة “اللفظ” ونادى عليه، ومنع الناس من الاختلاف إليه – أي: حضور دروسه – حتى هُجِرَ، وخرج من نيسابور في تلك المحنة، قَطَعَهُ أكثرُ الناس غير مُسلم، فإنه لم يتخلَّفْ عن زيارته. فأُنْهِيَ إلى محمد بن يحيى أن مُسلم بن الحجاج على مذهبه قديمًا وحديثًا، وأنه عوتب على ذلك بالعراق والحجاز ولم يرجِع عنه، فلما كان يوم مجلس محمد بن يحيى قال في آخر مجلسه: ألا مَنْ قال باللفظ فلا يحل له أن يحضر مجلسنَا.

 فأخذ مُسلم الرداء فوق عمامته وقام على رءوس الناس وخرج من مجلسه، وجمع كلَّ ما كان كتب منه وبعث به على ظهر حمَّال إلى باب محمد بن يحيى، فاستحكمت بذلك الوحشة، وتخلَّفَ عنه وعن زيارته”.

وقصة “اللفظ” المذكورة يُقْصَدُ بها تلك المسألة التي نشب الخلاف بشأنها في ذلك الحين بخصوص القول بخلق القرآن؛ يقول الإمام مُسلم عن هذه الحادثة: “لما قدم محمد بن إسماعيل -يعني البخاري- نيسابور، ما رأيتُ واليًا ولا عالمًا فعل به أهل نيسابور ما فعلوا به، استقبلوه مرحلتين وثلاثة، فقال محمد بن يحيى في مجلسه: مَنْ أرادَ أن يستقبل محمد بن إسماعيل غدًا فليستقبلْه؛ فاستقبله محمد بن يحيى وعامَّة العلماء، فنزل دار البخاريين، فقال لنا محمد بن يحيى: لا تسألوه عن شيء من الكلام – يعني علم الكلام أو العقيدة، فإنه إنْ أجابَ بخلاف ما نحن فيه، وقعَ بيننا وبينه، ثم شمَّت بنا كُلَّ حَرورِيٍّ، وكُلَّ رافضِيٍّ، وكُلَّ جَهميٍّ، وكُلَّ مُرْجِئٍ بخراسان – يقصد الفرق والجماعات التي كانت موجودة في ذلك الوقت-.

قال: فازدحم الناس على محمد بن إسماعيل، حتى امتلأ السطح والدار، فلما كان اليوم الثاني أو الثالث، قام إليه رجل؛ فسألَه عن اللفظ بالقرآن، فقال: أفعالُنا مخلوقةٌ، وألفاظُنا من أفعالنا، فوقع بينهم اختلاف، فقال بعض الناس: قال: لفظي بالقرآن مخلوقٌ، وقال بعضهم: لم يَقُلْ، حتى تواثَبوا، فاجتمع أهل الدَّار، وأخرجوهم.

 

أعمال الأمام مسلم:

وللإمام مُسلمٌ من الكتب أو ما يمكن تسميته حسب مسميات العصر ” الأعمال” :

كتاب “الجامع على الأبواب”، وكتاب ” الأسماء والكُنَى”، و كتاب  ” التمييز”، و كتاب ” العلل”، و كتاب ” الوحدان”، و كتاب  ” الأفراد”، و كتاب ” الأقران”، و كتاب  ” سؤالاته أحمد بن حنبل”، و كتاب  ” حديث عمرو بن شعيب”، و كتاب ” الانتفاع بأهب السباع”، وكتاب “مشايخ مالك”، و كتاب ” مشايخ الثوري”، و كتاب ” مشايخ شُعبة”، و كتاب ” من ليس له إلا راوٍ واحدٍ”، و كتاب ” المخضرمين”، و كتاب ” أولاد الصحابة”، و كتاب ” أوهام المحدثين”، و كتاب ” الطبقات”، و كتاب ” أفراد الشَّاميين”.

 

الوفاة:

وقد تُوفِّي الإمام مسلم بن الحجاج رضي الله عنه عشيَّة يوم الأحد، ودُفن يوم الاثنين لخمسٍ بَقِيْنَ من رجبٍ سنة 261هـ.

هذا فقط قطرة من فيض في حياة البطل الأمام ( مسلم ) ولنعلم أن مثل هذه السير ليست للتسلية وتمضية الوقت؛ إنما لبيان حال أبطال من الأمة كان همهم الله والدار الآخرة فكانوا سبباً لعزيمة الأمة ومجدها، فعلينا أن نعتني بتربية أبنائنا وبناتنا وأن نحبب إليهم العلم الشرعي ونيسِّر لهم سبل ذلك، كما نعتنى بتثقيفهم وتعليمهم الفنون والآداب والرياضة ونسمعهم الموسيقى ونعرفهم بالتاريخ والجغرافيا.

أن نبين لهم بأن طلب العلم الشرعي والزهد والورع لا يتنافى مع العمل والتعلم والكسب الحلال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى