تحقيقات وتقاريرثقافة وفن

اكرم هلال يكتب القصة شبه الكاملة ل “جيفارا السينما المصرية: عاطف الطيب (3)

البريء.. الصراع الأبدي بين السلطة والمثقف والمواطن:

كثرة الرصاصات التي قتلت حسن في فيلم ” الزمار” تؤكد أن الأعداء كثيرون، وان عينا الحذر, فالثمن ربما سيكون ضخماً وفادحاً.

نهاية حسن نهاية مؤرقة لا تثير الإحباط، بقدر ما تثير الغضب، وكانه لا مفر من المواجهة.

نجح عاطف الطيب في تقديم فيلم لا ينسى، باستخدام تنويعة مختلفة لنفس قضية العدل والوعي، المشاهد هنا أطول نسبيا مما اعتدنا في أفلامه، الحقيقة أن تقديم الشخصيات كان يمكن أن يكون أكثر تكثيفا وإحكاما مما رأينا، خاصة في المشاهد الأولى للفيلم، كان الفيلم حائرا لوقت غير قصير بين حسن ومريم ودولت كأبطال للفيلم.

خاصة دولت التي تكررت مشاهد معاناتها مع أخيها، و لجوئها للزار أو لمقام الولي.

نعلم ان حسن هو بطل الحكاية بلا جدال، ولذلك كان يجب دفعه للمقدمة، وخصوصا أنه هو الذي سيشعل الصراع والتمرد، خاصة وان قصة هروبه والبحث عنه، كان يمكن أن تحقق صراعا إضافيا على مدار الفيلم بأكمله مع رجال البوليس.

 

حسن والنساء:

يبدوا ان هناك مشكلة أخرى في حياة حسن مشكلة تكاد تكون واضحة, وهي علاقة حسن المتنافرة مع الشخصيات النسائية بدء من نبوية ومريم (في البداية) وصولا الى دولت زوجة الضابط الذي كان يبحث عنه، وحتى قصة تعاطفه مع مريم لا تعد حباً فهو نوع من انواع المساعدة التي اعتاد عليها حسن, كل ذلك جعل العلاقات بين الشخصيات واهية الى حد كبير، ولولا صراع حسن في مواجهة حفني والبهوات الذى أنقذ الموقف، وأعاد الصراع الى قوته، بالذات في مشاهد الفيلم الأخيرة لضاع الفيلم برمته.

 

عبد الرحيم منصور:

أشعار وحوار عبد الرحيم منصور، الذي أهدي الفيلم الى روحه، من أبرز نقاط قوة الفيلم، هناك مستوى واقعي للهجة الصعيدية، ومستوى آخر شاعري يجعل من بعض المونولوجات عدودة شجية،

وطبعا المكان في الفيلم، كما عادة الطيب في أفلامه عموما، ليس مجرد خلفية للأحداث، ولكن كائن حي، وعنصر أساسي في التعبير، فتجد الفقر يتمشى فى طرقات القرية الفقيرة والضيقة، والبيوت تذكرنا بالمقابر التى تزورها مريم مع حسن، وديكورات رشدي حامد على نفس الموجة، حجرة جابر زوج مريم تبدو أيضا كالسجن بقضبان سيريها العالي، وموسيقى بليغ حمدي تصنع معادلا موسيقيا مدهشا للحكاية: جملة تنوح وتبكي، ودقات طبول تحذر وتنذر، ووقع العصا على الطبلة يصاحب حضور بهوات الفنطاس، نغمة من خارج المكان، تذكرنا بالمارشات العسكرية وصوت اقدام الجنود.  

“الزمّار” وسواق الاتوبيس ليسا بطلين انما بطل واحد لحكاية لا تموت، فحسن هو “ممثل” جيل عاطف الطيب.

ذلك الجيل الذى لم يكف عن الحرب دفاعا عن البلد في الخارج والداخل، ذلك الجيل الذى تقبل دفع ثمن تلك المواجهة.

الزمّار اتهموه بأنه يريد خراب البلد فجاء مقتله ليخلده كأسطورة شعرا وواقعا، ولذلك نسمع صوته وشعره حتى بعد موته.

ما بين صرخة هروب من القلعة في البداية، ولحظة موت في ساحة العرابة، يبدو لي أن الزمار هو الطيب نفسه، الذي قاوم بالسينما، مثلما قاوم حسن بالمسرح والشعر.

 الطيب الذي عانى وكافح، ولكنه لم يتوقف عن الشهادة والإدانة والتحذير، والذي مات تاركا أفلامه/ مزاميره الخاصة، التي تذكرنا دوما بأصل الداء، وسر المأساة، وبأسئلة القهر والوعي والتمرد.

استطاع الطيب تجسيد الظلم في فيلمه على ثلاثة مستويات.

الأول شخصي: حينما اتهم الزمار زورا بأنه على علاقة غير شرعية مع زوجة البقال.

الثاني عام: عندما تنحدر رغبات أصحاب النفوذ ويمثلهم (أحمد بدير)

والأخير هو الظلم والقهر النفسي: من خلال الزمار وهو يحاول الهروب من بنادق الأهالي التي قتلت زوجة البقال لكن الرصاصات تخترق صدره أيضا وهو يردد (ونعيش في وهم كبير, ومخبيين السناكي في جراب القلب, ومخبيين الغناوي في جراب الليل).

وللمرة الثانية سيُقتل “حسن” أو سبع الليل، وسيبقى المزمار المشؤم ليقول ويحكي عن المأساة.

 

البداية”

“أستاذ وحيد هو أنت من أعداء الوطن؟!”، كانت هذه الجملة هي أصل قصة فيلم “البريء” 1986، كان السيناريست وحيد حامد صاحب قصة وحوار وسيناريو فيلم البريء، مشاركًا في أحد المظاهرات في فترة السبعينات، عندما ضربه أحد الجنود الأمن المركزي بالعصا، واكتشف إنه من أبناء قريته، وكانت الجملة هي أول ما نطق بها الجندي لوحيد حامد.

واو : عن جد :

هكذا نطق صديقى الفلسطينى الاردنى عليان ابو الهيجاء عندما كنت أعمل بالأردن الشقيق في نهاية العام 2005 مع تسريب المشهد الذى سيضاف لفيلم البرئ الذى حضرناه سوياً اكثر من مره ونحن في قمة الاعجاب بكم الابداع الذى يحتوية ولم نكن نعلم ان هناك مشهد محذوف من الفيلم ربما هو العبقرية بعينها

ثم راح يكمل حقيقي عندكم بلد في اسيوط اسمها العرابة وفيها سبع الليل ”  صراحة وقت ان سؤلت ذلك السؤال لم اكن اعلم ما اذا كان هناك فعلا مكان بأسيوط يسمى العرابة وهل كان هناك فعلا من يسمى بسبع الليل خاصة وان اسيوط مسقط رأسى كانت ملهمة في اوقات كثيرة للكتاب والمؤلفين مثال فيلم البيه البواب – شفيقة ومتولى يوميات نائب فى الارياف- والزمار – البوسطجى –  الجزيرة – والكثير من الافلام كنت اموت ضحكاً عندما كان “عليان” يمازح صديقًا مشترك بيننا بقوله ” يا سبع الليل” بلهجته الاردنية الجميلة.

كتب حامد قصة الفيلم منطلقًا من هذه الجملة، ليرصد ما يحدث داخل المعتقلات والسجون، وما يحدث أيضًا داخل النفس الواحدة، الإنسان دائمًا في صراع نفسي، دائمًا أمام اختيارات ربما يصيب في واحده منها وربما يتوه وتتوه معه السنين دون الوصول للحقيقة.

كتب حامد القصة ورسم الأشخاص بكل ما تحتويه من اضطرابات ومخاوف، القصة ليست قصة سياسية فقط، وإن كان هذا هو الظاهر والمعلن، ولكن القصة أكبر من فكرة السياسة والوطن والأمن والإعداء، إنها قصة الحياة بكل ما فيها من عبث واستمرارية لذلك العبث.

كانت ستي دائما ما تطلق مثلها الشعبى الشهير ” حلة ولقيت غطاها ” طبعا المثل لا يرتقى ان يقال على عظيمين ك وحيد حامد وعاطف الطيب ولكن محتواه ربما هما بالتحديد: لذا اعتذر عن المثل ولا اعتذر عن المحتوى. ف عاطف الطيب، مخرج يبحث عن المشاكل، عن صرخات المعذبين في الأرض، ينتقد الدولة والحكومة، ووحيد حامد قلم يصعب مضغة فحبره مسموم بحب الوطن.

عملا قبل هذا الفيلم، في فيلم “ملف في الآداب” 1985، وقبله بعام كان فيلم “التخشيبة” الذى سنعود له لاحقاً من بطولة أحمد زكي أيضاً، والان وفى نفس العام فيلم “البريء” أخرج الطيب فيلم “الحب فوق هضبة الهرم” 1986، بطولة أحمد زكي، ولم تكن هذه التجارب هي الأخيرة بين الثلاثة فقد شارك أحمد زكي بطولة أفلام من إخراج الطيب مثل “الهروب” 1991، “ضد الحكومة” 1992، وأخرج الطيب فيلم “الدنيا على جناح يمامة” 1989 قصة وحيد حامد.

 

عاطف الطيب:

اذن نحن أمام ثلاثي بينهم علاقة وطيدة، متفقين على تقديم عمل فني ذو قيمة، ولذلك كان القرار بالغوص داخل العمل، داخل نفسية الأبطال، الصراع يجب أن يولد في الداخل، كي ينفجر أمام الكاميرا.

 

أحمد زكي:

تقول الأسطورة إن عاطف الطيب في أول يوم تصوير للفيلم ذهب مع طاقم العمل الى القرية مكان التصوير، وبعد دقائق من تواجده شاهد شخص قادم من بعيد فقال أريد “أحمد سبع الليل” مثل هذا الشخص، وعندما اقترب وجده هو أحمد ذكي بالفعل، وقد ارتدى ملابس الدور، وتقمص الشخصية.

عموما بعيدًا عن مدى صحة أو خطأ هذه القصة، يظل الأكيد هو عبقرية ذكي في تقمص الدور بكل تفاصيله.

 

فتجد ذكى يتقمص الدور لدرجة تصيب المشاهد بالخوف، ذكي لا يكتفي بالتورط في الشخصية، لكنه يجبرك على التورط أيضًا، 12 دقيقة من عمر الفيلم هي المقدمة، قبل التتر، ليأتي دور الطيب الإبداعي ليؤكد لك ودون عناء منك إن الشخصية أهم من اسم الفيلم أو التتر، أو حتى من تصنيف البطل بريء أم متهم.

والأكيد أبضا انه فى تاريخ الفن السينمائى شخصيات خالدة لا تموت، خلقها مبدعون أفنوا أعمارهم فى محراب الفن يحاربون الجهل والتخلف ساعين نحو التنوير والتغيير. قناوى، الأعرج الفقير أسير باب الحديد، الحالم بهنومة الفاتنة. الشيخ حسنى، الضرير الذى يرى افضل من الجميع المفتون بركوب الدرجات النارية. ابو سويلم، الفلاح المصرى الأصيل الذى حارب وانتصر، لا تسوى الحياة عنده شيئا دون أرض ومياة تروى عطشها. عتريس، الطيب الصلب، رقيق القلب عنيف الطبع، المحب لفؤادة حتى وإن أبت ظلمه. وربما من أكثر الشخصيات ثراءا فى تاريخ السينما المصرية هى تلك التى جسدها العظيم أحمد ذكى (الفلاح – المجند) أحمد سبع الليل، والتى رسمها وحيد حامد بقلمه وأخرجها للحياة الراحل – الباقى عاطف الطيب.

اما أكيد الأكيد انك امام ثلاث عبقريات ما بين ورق وحيد حامد واداء ما اروع ان يكون ل أحمد ذكى وعبقرية في الاخراج ل عاطف الطيب.

فتجد الطيب يمهد بهدوء وذكاء ظهور كل شخصية في الفيلم، بداية من أحمد سبع الليل ودعائه البسيط أن يلطف الله الجو ويطرح البركة في والبقرة ويحفظ الزرع من الحشرات، وكلامه مع الحمار كأنه في حديث مع صديق العمل، السذاجة الواضحة في الشخصية، كلها أمور توضح للمشاهد من هو بطل الفيلم ومدى سذاجته.

ثم ينتقل إلى البطل الثاني حسين وهدان “ممدوح عبد العليم”، المتعلم، الوقور، الطالب الجامعي المثقف، والبشوش ايضاً.

وأخيرا البطل الثالث العقيد توفيق شركس “محمود عبد العزيز”، وقمة الازدواجية والفرق الهائل بين تعامله مع أسرته والمعتقلين، هكذا وضح الطيب الثلاث شخصيات المحورية في الفيلم.

لم يكن الحب هو العامل المهم في هذا الفيلم كغيره من الافلام، بالرغم من وجود الحدوتة  و التي من الممكن ان تبنى عليها احداث مشوقة في فيلم يميل الى جنى الايرادات, حيث يقع سبع الليل في غرام أخت حسين نوارة “إلهام شاهين”، العقيد توفيق يمر بأزمات عاطفية مع زوجته، الأستاذ حسين يتعامل مع الوطن الحبيب، الكل يبحث عن الحب، الكل يصارع ما بداخله، ولكن الطيب وحامد لا يبحثان عن الحب فقط في هذا الفيلم فهم يبحثان عن السياسة أيضاً.

فمن سينتصر:

الطفل الساذج أم الجندي المطيع للأوامر، الوطن أم الحياة, وبعيدًا عن السياسية، البنت والأقارب والود، أم الدم والتعذيب والقتل؟

الصراع القائم والأبدي بين السلطة والمثقف والمواطن، انه الصراع الذى لا ينتهي.

ينهال سبع الليل بالضرب على الطلاب القادمين منذ لحظات بدافع انهم اعداء الوطن ولكن فجاءة يكتشف ان احدهم حسين أفندي ابن القرية وصديق الطفولة، وهنا يرفض سبع الليل أن يكمل الضرب فيقوم العقيد توفيق بضرب المواطن والمثقف، السلطة ليس لها عزيز، فالكل خائن طالما يمشي خارج القضبان.

ولمن لا يعلم الفيلم لا يهاجم الدولة بقدر ما يهاجم العالم، يهاجم الواقع، يعلن رفضه لمجريات الأمور على كوكبنا العزيز.

منع الفيلم من العرض لمدة طويلة تقترب من العشرين عام، بسبب التحقيق في أمر تصوير الفيلم داخل معتقل حقيقي عسكري، وحذفت النهاية الأصلية للفيلم، بناء على قرار اللجنة التي حددها مجلس الوزراء في ذلك الوقت، وهي تتضمن 3 وزراء هم وزير الدفاع السابق المشير عبد الحليم أبو غزالة ووزير الداخلية السابق أحمد رشدي ووزير الثقافة السابق أحمد هيكل.

 لم تكن نهاية الفيلم المعروفة هى النهاية التي يروق لها المشاهد وانما جاءت النهاية المحذوفة، ك نهاية منطقية في رأي الكثير، ومنهم المخرج محمد خان الذي صرح ذات مرة إن النهاية قبل ظهور المقطع المحذوف كانت نهاية غير منطقية، فالظلم لا ينتصر في النهاية، وأن الحق يجب أن ينتصر، ولكنها نظرة رومانسية جافة، لذلك يقرر الطيب أن تولد شخصية جديدة، من رحم ما رأت، من جوف الثلاثي المتشابك،

يثأر سبع الليل لصديقه حسين أفندي، ليقتله جندي لا تعلم ماهيته، لتستمر الحياة كما بدأت، وكأن الفيلم سيصبح كالأرقام لا نهاية له.

كتب عبد الرحمن الأبنودي أغاني الفيلم، “يا قبضتي” و”الدم” و”محبوس يا طير الحق”، ولحنها وصنع الموسيقى التصورية الملحن عمار الشريعي، كانت الأغاني مكثفة وقوية كعادة الأبنودي، استخدم الشريعي الناي بشكل واضح وصريح، وكان الناي رفيق بطل الفيلم، فتداخلت الموسيقى التصويرية مع روح الفيلم، سجل الشريعي الأغاني بصوته بعد تلحينها، حتى يتثنى للمطرب غناءها، ولكن قرر الطيب أن تبقى الأغاني بصوت عمار، وأعتقد إنه قرار صائب، صوت عمار أضاف للكلام واللحن، وكأنه صوت قادم من الصحراء البعيدة، كأنه صوت من السماء يرصد ويسجل ما يحدث بحيادية تامة.

انتهى الفيلم، ولكن سيستمر الصراع الأبدي بين السلطة والمثقف والمواطن، وبين الإنسان ونفسه، لا الخير انتصر ولا الشر هذه المرة، ماتت السلطة ومات المثقف والمواطن، لتستمر الحياة ويستمر الصراع.

الى اللقاء فى الجزء الرابع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى