تقارير ودراساتصحافة المواطن

اكرم هلال يكتب: النوبية التي جعلت من المصريين اَكلى لحوم البشر الجزء الأول

أعدها : اكرم هلال 

ربما يظن البعض من القراء والمشاهدين أن القصص الأسطورية والأفلام الامريكية التي تتحدّث عن آكلي لحوم البشر، وتفرد لها الكثير من الوقت والميزانيات قصصٌ وهمية من الخيال فقط. معتمدين في ذلك على ما ترسخ في اذهانهم عن افلام الرعب والخيال العلمي.

عزيزي القارئ عفوا انها الحقيقة. نعم حقيقة بل ولم تحدث في بلاد بعيدة عنا كما تظن, ولكنها حدثت هنا.

نعم لقد شهدتها  بلادنا عبر العصور القديمة والوسطى، إثر المجاعات التي أودت بحياة الآلاف من سكان وادي النيل، كان بعضها بسبب الأوبئة مثل الطاعون والكوليرا، والتي كانت تجتاح بعض الأقاليم المجاورة لمصر، والبعض الآخر كان بسبب المجاعات الشهيرة الناجمة عن الفساد وسوء ادارة البلاد والتجسس والخيانات, فيأتي برفقتها بعض الأوبئة الفتاكة.

ولكون قصتنا هذه المرة رجح البعض أن حدوثها جاء بسبب الطبيعة الموسمية لنهر النيل، “

( نهر النيل لا ياعم أوعى تقولى ان الحكاية كانت هنا في مصر”!! ).

(اه في مصر ليه مستغرب كدة)

نعم في مصر.  

و لكون انخفاض الفيضان يؤدي إلى قحط شديد وكذلك ارتفاعه الجامح يؤدي إلى إغراق القرى بالماء، والنتيجة المنطقية في الحالتين هي انعدام الأقوات وظهور الامراض والاوبئة والمجاعات.، وحسبْ أحد الكتاب فإن القنطرة التي تفصل بين الحياة الرغد والموت الذريع، لم تكن إلا قنطرة ضيقة.

اذن كان لابد لقصتنا أن تبدأ من “مصر”

حيث تشير أقدم النصوص التاريخية إلى قصة السنين السبع العجاف، التي يرجع تاريخها إلى عصر الأسرة الثالثة، القرن 28 قبل الميلاد، وفيه ثبُت أن النيل تخلف في عصر الملك زوسر 7 سنوات، فشحت الغلة وجفت الفاكهة، وقل الطعام.

أما في العصور الوسطى فقد تكررت المجاعات، بسبب انخفاض فيضان النيل، إثر تأخر ولاة البلاد عن اتخاذ الإجراءات الكفيلة بمنع انحدار النيل الذي أدى إلى كارثة الموت جوعًا، وكان العصر الفاطمي المحطة التاريخية الأبرز في سياق تلك الأحداث. رغم التأكيد على أن نهر النيل لم يكن وحده هذه المرة السبب الرئيسي لتلك الاحداث.

بالرغم من تأكيد جميع المواقع والفيديوهات التي تحدثت عن “الشده المستنصرية” واجماعها على ان هذه الفاجعة التي وقعت في عهد المستنصر بالله الفاطمي ( وهو بالمناسبة اطول حكام الفاطميين بالنسبة لفتره حكمه ) سببها نقص مياه النيل.

الا أنى أؤكد على رأيي ان نقص مياه النيل لم يكن وحده سبب تلك المجاعة أو الشدة المستنصرية ودليلي على ذلك

ما ورد عن الامام المقريزي مثلا والذى يضع نقص النيل فى اخر الاسباب التي ساقها لتلك الشده بعد وكان على رأس تلك الاسباب:

  • اختلال امور الدولة بعد وفاه اشهر وزراء المستنصر وهو اليازوري

  • الفتن بين طوائف الجند وضعف السلطان

ودلل على ذلك من خلال روايته لأحداث تلك الاعوام ب

  • الحروب الكثيرة بين عساكر الاتراك وعساكر السودان

  • ارتفاع كلمه ناصر الدولة بن حمدان قائد الاتراك على كلمه المستنصر بل ووصل الامر بهم الى مصادره اموال تخص الدولة واخراج كنوز الفاطميين لبيعه

كما أشار الامام المقريزي الى ان الدولة كانت مقسمه ثلاثة أقسام

  • القبائل المغربية للوجه البحري

  • جنود السودان على الصعيد

  • الاتراك على القاهرة وما حولها

كما اشار الى إرسال قائد الاتراك الى سلطان الدولة السلجوقيه يدعوه للقدوم لمصر ومساعدته في مقابل قطع الخطبة للفاطميين بمصر وعودتها للدولة العباسية وفشل الامر بسبب هجوم الروم على السلاجقة.

فأعاد بعد عاميين مراسله العباسيين يدعوهم لمصر وهو ما جعل قاده الاتراك يجتمعون ضده ويقتلوه خوفا من زوال نفوذهم

ولم يهنئ المستنصر بمقتل بن حمدان فقد سيطر باقي قاده الاتراك على المستنصر.

وكذلك ما ورد عن الموفق الدين عبد اللطيف البغدادي الذى زار مصر ايام الدولة الايوبية عندما تحدث عن نقص مياه النيل لم يتحدث عن ضعف المياه بهذا المقدار زمن الفاطميين رغم انه تحدث بوضوح علي مقدار الزياده المطلوبه سنويا بين 16 ذراع و18 ذراع وانه ان وصل الى 20 يعتبر زياده مفرطه وخلاصه كلامه ان اضعف زياده للنيل فى تاريخ مصر الإسلامية كانت اكثر من 12 ذراع بقليل وكانت احدهم في عهد الدولة الاخشيدية والاخرى في عهد الدولة الأيوبية وشهدها هو اثناء اقامته بمصر.

فالأمام بن تغردى مثلا والذي اهتم بذكر الزيادة السنوية للنيل في كل عام تحدث في العام 462هجرى عن خراب اغلب الديار المصرية بسبب الغلاء وان حاكم مكة قطع الخطبة للفاطميين وتحول للعباسيين ثم لم يذكر ما يدل علي نقصان ماء النيل في السنيين التي سبقتها او تلتها .

 كما ذكر سبط الامام بن الجوزي في كتابه مرأه الزمان في حوادث العام 462 هجري ان امر مصر اختل بسبب سيطرة بن حمدان عليها وانه زاد في مرتبات الجنود من حوله بسفه وانه وافق انقطاع النيل ( لكن لا يوجد ما يدل على نقص النيل الى درجه ان يكون هو السبب الرئيسي للمجاعة ) .

لذلك وحسب قراتي للقصة أعتقد أن هناك أثنين أخرين هما أهم من انخفاض نهر النيل وكانوا سببا حقيقياً وراء تلك ” الشدة” التي أكلت الأخضر واليابس وأودت بثلثي الشعب المصري وجعلت منه شعب اكل للحوم البشر.

واليكم القصة الكاملة.

 

-البداية: 

ترجع القصة منذ بدايتها الى جارية، نوبية جميلة، زوجة خليفة وأم خليفة، لم تجلس على عرش مصر، بشكل رسمي، ومع ذلك عبثت يداها في جميع الأحداث المصيرية بالمحروسة وبالدولة الفاطمية على مدار أكثر من نصف قرن،.

كانت القائد الحقيقي في حياة ابنها “المستنصر بالله”، ذلك الحاكم الذي حكم مصر لأكثر من ستين عامًا، منذ ميلاده في عام 420هـ، وقد أصبح وليًا للعهد وهو في سن الثمانية أشهر في 421هـ، ثم تسلم أمور الحكم وهو في السابعة من العمر في 427هـ وحتى في 487 هـ.

انها « مولاتنا, رصد، السيدة، الستر الرفيع، الجهة الجليلة، الملكة»، كل هذه ألقاب كانت تلقب أو تنادى بها تلك السيدة، وهو ما يشير لموقعها في صدر الدولة في تلك الفترة، ونفوذها الذي امتد لكل شيء في  مصر وفي ربوع الدولة الفاطمية.

إنها الجارية التي أنجب منها الخليفة الفاطمي «الظاهر لإعزاز دين الله» ولده «أبو تميم معد المستنصر بالله الفاطمي» الشهير بالمستنصر بالله، ثامن الخلفاء الفاطميين.

ونظرًا لحداثة سن «المستنصر بالله»، عندما تسلم أمور الحكم في عام 427 هـ، فقد كان عمره سبع سنوات، صارت أمه «رصد» وصية عليه، ولكنها أنفردت بالحكم وأمسكت بزمام الأمور بشكل كامل.

أدارت كل الأمور والأحداث من خلف الستار، حيث طالت فترة وصايتها وامتدت حتى رحيلها في نهاية الشدة المستنصرية وبالتحديد في عام 464هـ.

كانت رصد أحد أسباب الشدة المستنصرية الشهيرة, تلك التي أكل فيها الناس لحم بعضهم، ولا يزال حتى الآن ذكراها ذائعا  في مصر وأهلها من هول ما حدث فيها.

انها تلك الجارية النوبية، التى اشتراها الخليفة الفاطمي «الظاهر لإعزاز دين الله» من التاجر اليهودي “أبي سعد التستري”.

وكان هذا التاجر يتولي أمور بيت المال، وكان  الفاطميون مولعين بشراء النوبيات الجميلات, وكان ذلك بموجب اتفاقية “البقط”

 

معاهدة البقط :

هي معاهدة بين “مملكة المقرة” وحكام مصر المسلمين، استمرت نحو سبعمائة سنة، لذا تعتبر من أطول المعاهدات في التاريخ.

عقدت المعاهدة عام 651. في تلك السنة، قاد عبد الله بن أبي السرح جيشًا بإتجاه الجنوب ضد الممالك المسيحية في النوبة. بعد معركة دنقلا، استوعب ابن أبي السرح صعوبة الاستيلاء على هذه المنطقة. لذا عقد المعاهدة التي تم التفاوض عليها بين أبي سرح وملك المقرة “كالديرات”.

كانت المعاهدة اتفاقا شفهيا وذات بنود واضحة وهي:

  • ألا يهاجم العرب النوبة وأن النوبيين لن يهاجموا مصر.

  • لمواطني البلدين حرية التجارة والسفر بين البلدين، ويحق لهم المرور بأمان من دولة لأخرى.

  • منع الهجرة والاستيطان لمواطني الدولتين في أراضي الدولة الأخرى.

  • تسلم جميع دولة العبيد المارقين من الدولة الأخرى إليها.

  • النوبيين كانت مسؤولة عن الحفاظ على مسجد للزائرين المسلمين والمقيمين.

  • المصريون ليسوا ملتزمين بحماية النوبيين من الهجمات من قبل أطراف ثالثة.

  • تقدم المقرة 360 عبدًا سنويًا إلى مصر. على أن يكون هؤلاء العبيد سليمي الأبدان ليسوا من العجائز أوالأطفال، ويكونوا خليطًا من الذكور والإناث. يضاف عليهم 40 عبدًا توزع على وجهاء مصر.

تناول ابن عبد الحكم أحد المؤرخين الأوائل المعاهدة، وأورد نصين مختلفتين للمعاهدة. الأول يُلزم النوبة بإرسال العبيد، مما يرمز إلى التبعية لمصر، والثاني يضيف التزامًا من المصريين أيضًا بإرسال البضائع من القمح والعدس للمقرة، وهذا من شأنه حتى يضع البلدين على قدم المساواة.

هذه المعاهدة لم يسبق لها مثيل في تاريخ الفتوحات العربية، وهي تشبه تحالفات الإمبراطورية البيزنطية أحيانًا مع جيرانها.

ولكن في أثناء تلك السنين ال 700 غرقت مصر في فتنة خلاف الأمين والمأمون، فامتنع الملك زكريا الثالث ملك المقرة عن دفع ما ألزمته به المعاهدة. وعندما خمدت الثورة، أوفد والي مصر إلى المقرة رسولاً مطالبًا استئناف المعاهدة، ودفع المتأخرات، وبسبب عدم قدرة زكريا على دفع ذلك مرة واحدة، أوفد ابنه ووريثه جيورجيوس في رحلة طويلة إلى بغداد، للتفاوض مباشرة مع الخليفة. حققت هذه الرحلة نجاحًا كبيرًا، وألغيت المتأخرات وتم تعديل المعاهدة بحيث لا تلتزم المقرة سوى بالدفع ثلاث سنوات.

كانت تلك المعاهدة من أوثق العلاقات خلال الحكم الفاطمي لمصر، حيث كان حلفاء الفاطميين الشيعة قلائل في العالم العربي، لذا أصبحت النوبة حليفًا هامًا لهم. كما شكّل العبيد المرسلين من النوبة العمود الفقري للجيش الفاطمي، ثم ساءت العلاقات أثناء حكم الأيوبيين، وانتهت تقريبًا في فترة حكم المماليك.

 

أخيرًا، انتهت المعاهدة في منتصف القرن الرابع عشر، مع الانهيار التام لمملكة المقرة.

 

الخلاصة: كانت هذه المعاهدة تلزم النوبة بإرسال العبيد، مما يرمز إلى التبعية لولاية مصر، على أن تلتزم مصر بإرسال البضائع من القمح والعدس للمقرة.

وقد زاد عدد النوبيين في مصر – خاصة في عهد الخليفة المستنصر- تلبية لمطالب والدته «رصد» والتي كانت تناصر بني  بلدها ضد الأتراك والروم.

أصبحت رصد الوصية على ابنها «المستنصر بالله»، وساعدها في ذلك التاجر اليهودي «التستري» والذي أصبح رئيس ديوانها.

نحن هنا أمام امرأة قوية تريد أن تثبت جدارتها، وعقل ومال يهودي، والاثنان يقودان المملكة، لأنها لم تتنازل عن الحكم عندما بلغ ابنها سن الرشد، فقد استمرت تحكم عوضًا عن ابنها. حتى بعد أن أصبح شاباً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى