السكوت ممنوعقصص من التاريخ

مصر وأثيوبيا من برودة المياه الى نيران الحرب: الجزء الرابع

بقلم/ اكرم هلال

 

موقف مصر من الحملة الإنجليزية على أثيوبيا وأثره على العلاقات بين البلدين

اعتقد تيودور أن بريطانيا تتواطأ مع مصر على غزو بلاده لذلك قبض على قنصلها وعلى المبشرين البروتوستانت، مما أثر قلق الحكومة البريطانية على رعاياها حتى أنها خافت عليهم من الحشود المصرية على الحدود الأثيوبية السودانية. والتي كانت مصر قد أرسلتها عن طريق ميناء سواكن، بعد ضمه إليها – للحفاظ على الأمن والسلام داخل مقاطعات الحدود الخاضعة للإدارة المصرية في السودان. وكانت هناك شائعات تقول أن هذه القوات أرسلت لتضيف مناطق أخرى في هذه الجهات لمصر.

خافت بريطانيا من هذه الحشود على قنصلها ورعاياها أسرى تيودور من أن يؤكد ذلك اعتقاده بأن بريطانيا تؤيد مصر بل، وتعتزمان معا غزو البلاد. وكانت هناك شائعة تقول أن شركة إنجليزية ستنفذ مشروع مد خط حديدي من سواكن إلى كسلا لنقل هذه القوات المشتركة التي ستغزو أثيوبيا. وقد أدت هذه الشائعات إلى اعادة القيود على القنصل البريطاني والأسرى الآخرين. لذلك كانت بريطانيا تخشى من أية حركة معادية من جانب مصر تجاه أثيوبيا مما قد يهدد رعاياها بالخطر. وقد استجابت مصر لبريطانيا بل وتعاونت معها في تهدئة الأحوال على الحدود مع أثيوبيا فلم تنتهز فرصة أتيحت لها لضم تيجري إليها، فقد عرض جوباز حاكم لاستا المناوئ للإمبراطور تيودور وشعب تيجري ضمها لمصر إلا أنها رفضت لسببين أولهما أنها كانت مشغولة بحرب كريت ولم يكن لديها الإمكانيات الحربية لكي تناصر أحد المناوئين ضد الإمبراطور وتتحمل ما قد ينتج من ذلك من نتائج، وثانيهما أنها كانت تأخذ في الاعتبار خوف بريطانيا على حياة الرعايا وأن أية حركة معادية من جانب مصر قد ينتج عنها القضاء على هؤلاء الأسرى.

وبالرغم من ارص مصر هذا، فقد كان الإمبراطور تيودور يحاول التحرش بها فتحالف مع أحد زعماء دارفور (أحمد شنا)، على أن يزحف على الخرطوم في الوقت الذي يزحف فيه أحمد شنا وحاكم جبل الداير على كردفان، ولكن هذه الخطة لم تنجح لأن تيودور انشغل بمقاومة الحملة الإنجليزية التي قضت عليها. وكان من حرص مصر على هدوء الأوضاع بينها وبين أثيوبيا، أنها لم تتخذ أي اجراء حربي أو معادي لتيودور، بل كل ما فعلته أن كلفت حكمدار السودان بأن يتحصص أحوالهم ويقف على حقيقة أمرهم ويوافي الخديوي بتفاصيل هذا الموضوع.

كذلك قدمت مصر بقدر استطاعتها، تسهيلات لكل المحاولات السلمية التي قامت بها بريطانيا لإنقاذ قنصلها والمبشرين البروتستانت وكانت الحكومة البريطانية قد بدأت تدرس الوسائل الواجب اتخاذها لإطلاقهم. وكان أمامها أحد طريقين، أما اللجوء إلى القوة أو اتباع الطرق الدبلوماسية، فآثرت أولا استخدام الوسائل الدبلوماسية. فاختار ستناتون القنصل العام البريطاني في مصر مستر وليام جيفورد بلجراف مبعوثا إلى تيودور لكي يتفاوض معه بشأن إطلاق سراح الأسرى وذلك بعد أن طال انتظار رسام في مصوع واتصل بالحكومة المصرية التي اتخذت في الحال اجراءات هامة تتعلق برحلة بلجراف السريعة إلى أثيوبيا في النيل فوضعت باخرة تحت طلبه. وصدرت الأوامر إلى السلطات في أعالي البلاد بتسهيل هذه الرحلة حتى حدود أثيوبيا.

غير أن ظهور هرمورد رسام في السويس وضع حدا لرحلة بلجراف. إذ كلف رسام مرة أخرى بالذهاب إلى مصوع.

وكانت الحكومة البريطانية قد كلفت رسام بالتفاوض مع تيودور بشأن إطلاق سراح أسراه.

وعندما وصل رسام إلى مصر مع زملائه، بعث بعدة رسائل إلى الإمبراطور يستأذنه في الدخول إلى بلاده. ولكن تيودور تجاهل هذه الرسائل مدة عام (يوليو 1864- أغسطس 1965) ثم سمح أخيرا له بالحضور إليه وحالت دون وصول رسام إلى الإمبراطور الثورة في تيجراي. وموسم الأمطار في طريق كسلا القلابات.

ولذلك كتب رسام إلى تيودور يستأذنه في الانتظار حتى ينتهي موسم الأمطار. وفي أثناء ذلك جاء رسام إلى مصر لإجراء الاتصالات التلغرافية مع لندن بشأن مهمته، ولشراء الهدايا النفيسة للإمبراطور، ثم عاد إلى مصوع ليبدأ رحلته إلى مقر الإمبراطور تيودور. غير أن رسام فشل في مفاوضاته مع الإمبراطور لاعتقاد الأخير أنه إذا أطلق سراحهم سيفقد الوسيلة التي يتصل عن طريقها مع الحكومة الإنجليزية.

 

وعندما فشلت الوسائل الدبلوماسية في الإفراج عن الأسرى، قررت بريطانيا استخدام القوة لتخليص رعاياها من أسر تيودور.

فأصدرت أوامرها إلى حاكم عدن الكولونيل ميروزير ليتقصى أحوال أثيوبيا الداخلية ولدراسة الطرق التي تربط ساحل البحر الأحمر الأفريقي بالهضبة الأثيوبية، وبالفعل قام في يناير سنة 1867 بجولة في ساحل البحر الأحمر الأفريقي فمر بمصوع وطاف بساحل سمهر وخليج انسلي لتقصي أحوال أثيوبيا الداخلية ومعرفة الأماكن المناسبة لنزول قوات الحملة البريطانية التي تقرر ارسالها إلى أثيوبيا. ووقع اختيار ميروزير على طريق أمفيلا – عدوه.

ولقد أثار نشاط الإنجليز هذا على ساحل البحر الأحمر الأفريقي، شكوك حاكم مصوع المصري، الذي ارسل إلى القاهرة يخبرها بهذا النشاط، فكلفت حكمدارها في السودان جعفر مظهر باشا بالقيام بجولة تفتشية على طول ساحل البحر الأحمر حتى باب المندب. وبالفعل قام الحكمدار بهذه الجولة التفتيشية حيث وزع الهدايا والاعلام على شيوخ القبائل ودعاهم إلى الاعتراف بسيادة الحكومة المصرية.

وقد وجد ترحيبا كبيرا منهم. ودعا جعفر مظهر في تقريره حكومة مصر إلى ضم أثيوبيا إليها منتهزة فرصة الفوضى الناشبة في أنحائها، وعدم تضامن رؤسائها مع امبراطورهم، وأنهم لن يقاوموا أي تغيير في الحكم، كما أن السكان النازلين بالقرب من الحدود المصرية متضامنون مع مصر ولذلك فإن فرص نجاح مصر في ضم أثيوبيا كبيرة موفقة.

أي أن جعفر مظهر أراد أن تقوم مصر بالحرب بدلا من إنجلترا وذلك خوفا على السيادة المصرية على هذه المناطق.

 

كذلك فقد أثار قرار اعلان إنجلترا الحرب على الأثيوبيا اعتقاد بأن بريطانيا لن ترضى بمجرد انزال العقاب بالإمبراطور تيودور ولكنها ستحاول اقتطاع منطقة من أثيوبيا على الأقل واحتلالها بل اشيع أن إنجلترا تطمع في الاستيلاء على جزيرة مصوع واحتلال مصر نفسها بعد هزيمة أثيوبيا.

 

ولقد أثارت هذه الشائعات مخاوف حكومة مصر التي لم تجهر بها.

وقد رأت الحكومة الإنجليزية ضرورة تكذيب هذه الشائعات في تبديد مخاوف مصر، فأمر قنصلها في القاهرة أن يؤكد للخديوي أن القوات الإنجليزية سوف تغادر أثيوبيا بعد إطلاق سراح الأسرى وأنها لا تنوي غزو هذه المنطقة من البحر الأحمر.

ومع ذلك فقد أعرب الخديوي لحكومة لندن رغبته في التوسط بينها وبين تيودور.

فوافقت بريطانيا على اقتراحه، وبالفعل بعث الخديوي برسالة إلى تيودور، حثه فيها على إطلاق سراح الأسرى حتى يتجنب الحرب مع بريطانيا ويجنب بلاده ويلاتها, وعرض عليه في حالة موافقته على إطلاق سراح أسراه أن يرسلهم إلى مصوع أى إلى آخر حدود مملكته ويخبره ويخبر إنجلترا حتى توقف تقدم جنودها في أثيوبيا. وحذره من تمسكه باحتجاز الأسرى سوف يدفعه – أي الخديوي اسماعيل – إلى أن يسمح للقوات البريطانية بالمرور في أملاكه إليه وان كان هذا لا يبتغيه ولكنه سيضطره إزاء تمسكه إلى أن يفعل هذا ودعاه إن يسمع صوت العقل ويعمل بنصيحته.

وقد حمل أحد رجال الدين الأقباط هذه الرسالة، ورسالتين اخرتين من بطريرك الأقباط والأخرى من بطريرك الأرمن الأرثوذكس.

وبالإضافة إلى هذه الرسائل أرسلت رسالة إلى عبد القادر باشا الذي عين مندوبا فوق العادة في مصوع بسبب ظروف الحملة الإنجليزية، جاء فيها بأنه في حالة الإفراج عن الأسرى يرحب بهم ويسلمهم إلى القنصل الإنجليزي، ويخبره في الحال، أما في حالة لم يفرج عنهم، فيعمل على توصيل القس القبطي حامل هذه الرسائل إلى الحدود.

ولكن وللأسف لم يهتم تيودور بهذه الرسائل واستمر في سجنه لهؤلاء الأسرى.

جاء ذلك بالرغم من تأكيدات الحكومة البريطانية بقصر هدف الحملة على إطلاق سراح الأسرى.

لذا احتاط الخديوي اسماعيل لذلك، فسعى عند الباب العالي لإحضار قواته المشتركة في اخماد ثورة كريت، وارسلها إلى الحدود الإثيوبية حتى تكون مستعدة لما قد تتطور إليه الأمور في هذه المنطقة.

وبعد ما فعل الخديوي اسماعيل هذا لم يجد أمامه شيئا سوى أن يقدم معاونته للحملة البريطانية التي قررت إنجلترا إرسالها وعينت سير روبرت نابيير قائدا عليها.

وحصلت الحكومة البريطانية في أغسطس سنة 1867 على موافقة الباب العالي بمرور القوات البريطانية بمصر والنزول في ميناء زولا بالقرب من مصوع على شاطئ البحر الأحمر الأفريقي.

كما وافق على منح كل مساعدة ممكنة للحملة الإنجليزية كذلك حصلت بريطانيا على موافقة الخديوى اسماعيل على مرور القوات الإنجليزية بمصر، ورحب بتقديم كل مساعدة ممكنة لها فمدها بالدواب، والمواد التموينية مما ساعد على نجاح الحملة في مهمتها.

كما صرح لها بأن تنشئ خطا تلغرافيا بين مصوع وسواكن، وأمر حكمدار السودان بتقديم كافة التسهيلات اللازمة لهم وعين حكمدار السودان مشرفا عاما على هذه المنطقة حتى يضمن سرعة حصول الحملة الإنجليزية على ما تحتاجه لنجاح مهمتها.

ولم يكتف الخديوى اسماعيل بذلك بل عين عبد القادر باشا مندوبا فوق العادة وحدد مقر اقامته في مصوع واخضع له كل السلطان العسكرية في هذه المنطقة وذلك لتسهيل مهمة الحملة الإنجليزية في إطلاق سراح الأسرى.

 وبالرغم من هذه المساعدات التي قدمتها مصر للحملة الإنجليزية، فإن الخديوى اسماعيل لم يستفد منها شئيا.

كما أن انتحار تيودور لم يفد مصر أيضا إذ أن الحملة الإنجليزية اختارت قبل رحيلها من أثيوبيا رجلا متعصبا آخر يتلاءم في الواقع مع السياسة الإنجليزية في المنطقة ولا يقل تعصبا عن تيودور، إذ كان هو الآخر يرغب في طرد المصريين من كل السودان ومن ساحل البحر الأحمر الأفريقي، فتركت له كمية ضخمة من السلاح والذخيرة. وأحد العسكريين الكبار في الحملة وهو الجنرال كيركهام في خدمته لتدريب جيشه، وكان الدافع إلى ذلك هو الخوف من التقدم المصري واحتمال الاعتداء على أثيوبيا إذ كانت في ذلك الوقت حملة صمويل بيكر إلى أعالي النيل وخوف الأثيوبيين منها,وما قد تمثله من تهديد لبلادهم.

كما أن مصر لم تستفد من منشئات الحملة ومهماتها وأدواتها التي تركتها في ميناء زولا، لأنه ثبت عدم صلاحية المدينة كمركز لمحافظة مصوع.

ومع ذلك فقد أوجدت هذه الحملة لمصر ظروفا استطاعت أن تؤكد أمام بريطانيا حقوق سيادتها على ساحل البحر الأحمر الأفريقي حتى باب المندب. بالإضافة إلى اتباع سياسة أكثر تحديدا واحكاما من السياسة التي كانت تتبعها من قبل في ساحل البحر الأحمر الغربي وفي السودان الشرقي، فقد اتجهت مصر إلى التوسع بضم أقاليم أخرى إلى سيادتها – وساعد على ذلك أن بريطانيا لم تعد تهتم كثيرا بأثيوبيا بعد أن أصيبت بخيبة أمل كبيرة في صنيعتها تيودور، كما أنها أرادت أن تحد من تدخلها في الشئون الإثيوبية. واكتفت بتدعيم كاسا الذي اختير كخليفة لتيودور. وتركت له خبيرا عسكريا مما جعله من أقوى الزعماء في البلاد. والدليل على ذلك أنها لم تحاول أن تمنع الخديوى اسماعيل من شن الحرب على أثيوبيا كما كانت تفعل من قبل ولم يفهم الخديوى اسماعيل هذه السياسة الجديدة وسرعان ما تورط في حروب مع أثيوبيا.

الى اللقاء والجزء الخامس 

للغودة الى الجزء الثالث اضغط هنا

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق