السكوت ممنوعقصص من التاريخ

مصر وأثيوبيا من برودة المياه الى نيران الحرب: الجزء الثاني

بقلم/ اكرم هلال

 

شجع الخديوى إسماعيل الشعب الاثيوبي على التمرد ضد “يوحنس “، كما جلب المتمردين إليه, وأرسل اليهم الهدايا.
ومن ثم وافق على تعيين “منزنجر” لاثنين من كبار أعداء “”يوحنس “” معه.
كما تابع هذه السياسة مع باقي الرؤوس الثائرين على “يوحنس ” في غرب ووسط وجنوب إثيوبيا.

اثار هذا الإجراء من جانب إسماعيل، غضب “”يوحنس “” الذى لم يكن هيناً فأستطاع كشف المخطط والعمل على قلب السحر على الساحر فقد كان يغرف كيف تدار اللعبة فاستطاع اخضاعهم وضمهم إليه هم وجنودهم واسلحتهم حتى أنه جمع جيوش ضخمة أثارت مخاوف مصر في ذلك الحين.
مما جعل مدير عموم قبلي السودان يطلب من مصر امدادات عسكرية، كما أعلنت حالة الطوارئ على الحدود ازاء تحركات جيش “”يوحنس “” بجنوده الضخمة هذه، غير أن “يوحنس ” لم يهجم على الحدود المصرية في ذلك الوقت.

ومع أن “”يوحنس “” استطاع أن يخضع كل الرؤوس الخارجة عنه تقريبا، إلا أن (منليك ) والذى اصبح لاحقاً إمبراطورًا لإثيوبيا خلفًا “ليوحنس الرابع”.
استطاع بدهائه أن يفلت من الخضوع ل””يوحنس “”، بإرساله أحد رجال الدين الى “شموا” ومعه مبلغ كبير من المال مؤكدا ولاءه له.
حيث كان “منليك ” في ذلك الوقت يبحث عن قوة تساعده ضد يوحنس، كما أن مصر كانت تسير على سياستها في جذب المناوئين لحكم الإمبراطور، لذلك فقد تقابل الفريقان معا.

النصيحة:
وكانت البداية عندما استولت مصر على “بوجوس” فقد ذهب أحد كبار الإثيوبيين إلى “منليك” ونصحه بالتعاون مع المصريين لمصلحته، فاتجه “منليك” إلى أبناء الشيخ أبو بكر باشا حاكم “زيلع” والذى لم يكن سهلا في ذلك الوقت حيث ان “الباشا” كان رجلا قويا وله علاقات ضخمة كان من الممكن ان تؤدى الى مشاكسات تصل الى الحروب ان ذاك.
كما كان يستمد قوته من ثلاث مقومات:
الأول: ولاؤه للحكومة المصرية بحيث سخر كل جهوده في خدمة هذه مصر.
والثاني: نفوذه على قبائل (عيسى) في محيط “زيلع” والتي كانت تتحكم بكل منافذ “زيلع” وتهدد بشل الحياة الاقتصادية ل”زيلع” لدرجة أن حكام زيلع في تلك الفترة كانوا يحرصون على تسخير قوتها لصالحهم حتى لا ترتد عليهم!!.
والثالث: أبناؤه الكثيرون الذين كانوا يرسخون نفوذ والدهم في هذه المنطقة، وكانوا أكثر تفوقا وذكاء من السكان المحليين!
ولعبوا أدوارا كثيرة: فقد كانوا سفراء وقادة عسكرين وسماسرة وتجار كما كونوا شبكة علاقات متينة حول أبيهم!!.
فقد عمل أحدهم سفيرا لدى “منليك” وسمسارا في نفس الوقت، وعمل آخر معاونا لمحافظ “هرر”، وعمل ثالث منظما للقوافل التجارية بين “زيلع وهرر”، وعمل رابع قائدا في القوات المصرية حتى انه عهد إليه مهمة حراسة السواحل، وعمل خامس في الجمارك بتاجورة !!.
عموما تم على اثر الاتفاق ايفاد وفد إلى مصر لاقتراح نوع من التحالف مع “الخديوي ضد يوحنس” الذي رحب بتقوية علاقات مصر مع “شوا ” حتى لا ينضم ملك “شوا” مع “يوحنس ” ضد مصر.
وحاول “منليك” أن يحصل من مصر على بعض الحرفيين والفنيين لتمدين بلاده.
غير أن ذلك لم يتم بالرغم من استمرار الاتصالات بين مصر وشوا، كما أن (الخديوى إسماعيل) لم يستثن (منليك) نفسة من حظر السلاح الذي فرضه على إثيوبيا في ذلك الوقت.
والواقع أننا لو قيمنا سياسة الخديوي إسماعيل بشأن تحريض رؤوس إثيوبيا ضد امبراطورهم نجد أنه اكتفى بالتأييد المعنوي فقط أي بتشجيعهم على الخروج عن طريق الرسائل والهدايا وليس عن طريق مدهم بالسلاح الخبرة الحربية، وربما لو فعل ذلك لأختلف الامر.
لكنه راح يطبق عليهم ما طبق على يوحنس فيما يتعلق بحظر السلاح عليهم وربما فعل (إسماعيل) ذلك خوفا من أن يدعي أحد الرؤوس تمرده، وبالتالي يحصل على السلاح فيستفيد به يوحنس.
غير أن ذلك يوضح بجلاء أن إسماعيل لم يستطيع أن يصل بخطته هذه إلى صورتها المنشودة، واستخدامها الاستخدام الأمثل ضد يوحنس. وربما كان السبب في ذلك أنه لم يعول عليها كثيرا وبالتالي لم يفكر فيها، أو لانشغاله في مد سلطاته ونفوذه على سائر مواني البحر الأحمر والقرن الأفريقي، (زيلع وبربرة وهرر)، وربما للعنجهية التركية وثقته الزائدة في جيشه وفي نفسه واعتقاده أن إثيوبيا دولة همجية من السهل غزوها ولا داعي للدراسة والبحث والتخطيط.

الشعور بالخوف 

وقد أدت سياسة التوسع التي اتبعها إسماعيل في شرقي أفريقيا، إلى زيادة التوتر بين مصر وأثيوبيا، فقد شعر “يوحنس ” بأن المصريين قد حاصروا بلاده من جميع الجهات، فبدأ يستعد للحرب مع المصريين، فأخذ يحث جيوشه، ويحصن عاصمته عدوة.
وكان يوضح لكل من يتوجه إليه أنه قصد ضرب القوات المصرية الموجودة على الحدود، وقد تأكد “منزنجر” بنفسه من استعداد “يوحنس ” الحربي وأرسل إلى القاهرة يخبرها بمدى خوف الأهالي في هذه المناطق من استعدادات “يوحنس ” الحربية.

ولذلك فقد بدأت مصر ترسل الإمدادات العسكرية، كما طلبت من حاكمها في شرقي السودان حماية الأهالي وصيانة شرف الحكومة.
وبالرغم من حالة التأهب هذه، فإن “يوحنس ” لم يهاجم الحدود المصرية ولم يعلن الحرب على المصريين وربما يعود ذلك للحالة المضطربة التي كانت تعم بلاده وخاف أن يبدأ هو بالهجوم على مصر، فينتج عن ذلك ازدياد التوترات ضده مما يهدد حكمه. لذلك آثر أن يدفع المصريين أن يبدأوا بالهجوم حتى يستغله في اثارة النصرة الدينية والقومية عند المسيحيين الأثيوبيين ضد اعتداء المسلمين المصريين على بلادهم, وهذا ما حدث بالفعل بعد ذلك.

ذكاء يوحنس:
ترجح بعض القصص عن تلك الحرب انه بالإضافة إلى محاولة يوحنس استمداد قوته من زرع الفتنة الدينية بين الشعب الاثيوبى والمصرى كان يعلم بما كانت تعانيه مصر من أزمة مالية حادة، وبالتالي فان حشد هذه القوات وما يتطلبه من مصروفات باهظة يؤدي إلى استنزاف مقدراتها، فلا تستطيع أن تفكر في محاربته مادام هو لا يهاجم الحدود وبالتالي تستمر عملية الاستنزاف هذه.
كذلك ربما كان “يوحنس ” يدرك أن استمرار حشد هذه القوات الضخمة بدون قتال ينال من روح الجنود المعنوية ويفقدهم بذلك القدرة القتالية، وبذلك يمكنه هزيمتهم بسهولة.
ومما يؤكد ذلك أن أحد قواد “يوحنس ” وهو الراس “قبرو” حاكم الحماسين أرسل إلى “منزنجر” يطلب الصلح، ولكن الأخير رفض ذلك لأنه ليس صادرا من “يوحنس ” إلى الخديوي.
كما أن إسماعيل وافق على اقتراح “منزنجر” بارسال رسالة إلى “يوحنس ” تكون من طرفه، لا من طرف الخديوي، الذي أشار عليه بأن تتضمن رسالته هذه عن وقف “يوحنس ” من تحركات جيوشه وحشدها وما بيغيه منها, ويدعوه إلى الرجوع بما معه من جنود إلى داخل حدوده, وانه إذا رفض فان مصر ستدافع عن حدودها بالرغم من أنها لا تريد الهجوم على إثيوبيا وانما ضد المغيرين الإثيوبيين على حدودها.

 

الرسالة الخطأ:

على أن هذه الرسالة بالرغم من أن “منزنجر” أرسلها، إلا أنها لم تصل إلى “يوحنس ” نتيجة خطأ من أراكيل بك حاكم مصوع (أراكيل بك نوبار يان المصري/الأرمني/الإيطالي الايطالى الاصل (ت. 16 نوفمبر 1875) محافظ إقليم ” مصوع ” المصري وهى ( جزء كبير من إرتريا حاليا ) وكان وقتها يعين حاكم مصر المحافظين على تلك البلاد كما يعين الرئيس الان محافظين على المحافظات مثال الشرقية او الاسكندرية او اسيوط.
أراكيل أحد المظلومين معلوماتيا في تاريخ مصر الحديث وقد وثق ملف ربط معاشه الكثير من المعلومات الهامة عن حياته وعن تاريخ الصراع المصري الأثيوبي في عهد الخديوي إسماعيل.
على الرغم من أن أراكيل ( وهو إبن عم نوبار باشا) رئيس نظار مصر (رئيس الوزراء حاليا), كان أحد أهم دعاة التهدئة و اصلاح العلاقات بين البلدين بل و إلغاء القيود الجمركية بينهما.
عموما سلم اراكيل رسالة بالخطأ تخص “منليك” وتتعلق برد الحكومة المصرية على ما يطلبه من الفنيين والحرفيين لتمدين مملكة شوا، ولم يسلمه الرسالة التي تتضمن وقف “يوحنس ” من تحركات جيوشه وحشدها, ودعوته إلى الرجوع بما معه من جنود إلى داخل حدوده, وانه إذا رفض فان مصر ستدافع عن حدودها.

وبهذا تغيرت كل قواعد اللعبة وما زاد الطين بلة ان اراكيل أشار على منزنجر أن يعمل على تحريض “منليك” على “يوحنس ” حتى تقوم الحرب بينهما، وذلك بهدف استنزاف قوة “يوحنس ” العسكرية.

وبينما كان يحدث ذلك كانت الحكومة المصرية مازالت مستمره في إرسال قواتها إلى مناطق الحدود وبالذات في (بوجوس) لأنها كانت السبب في تدهور العلاقات مع إثيوبيا, وهدف “يوحنس “.
استمر “يوحنس ” في حشد قواته وتدريبها على الأسلحة التي تركها له (نابيير) و

وفيلد مارشال روبرت كورنليس ناپيير، ( ديسمبر 1810 – يناير 1890) كان ضابطاً في الجيش الهندي. وقد حارب في الحرب الإنجليزية السيخية الأولى والحرب الإنجليزية السيخية الثانية قبل أن يشهد عمليات ككبير المهندسين أثناء النجدة الثانية للكنو في مارس 1858 أثناء التمرد الهندي.

كما خدم في حرب الأفيون الثانية كقائد للفرقة الثانية من قوة التجريدة التي شاركت في معركة حصون تاكو في أغسطس 1860، ودخول پكين في سبتمبر 1860 وتدمير القصر الصيفي القديم في أكتوبر 1860. ثم قاد التجريدة التأديبية إلى ( الحبشة ) في يوليو 1867، فهزم الامبراطور توضروس الثاني بأقل خسائر في الأرواح لقواته.

ولكنه قام بنهب العديد من التحف التاريخية والدينية؛ ومازالت تلك التحف توجد ضمن مقتنيات المملكة المتحدة، بالرغم من مطالبات أطراف عدة لإعادتها.

استمر “يوحنس ” في حشد قواته وتدريبها على الأسلحة بهدف تدعيم الاعتقاد لدى مصر بأنه سوف يشن الحرب ضدها، وبذلك تستمر حالة الطوارئ في القوات المصرية وما يتبعها من زيادة المصروفات، كما استولى على مداخل الطرق المؤدية إلى داخل بلاده القريبة من الحدود المصرية وحشد فيها قواته وذلك لإجبار مصر على اعلان الحرب أو على الاقل استمرارها في اعلان الطوارئ بين قواتها وبالتالي يكون ضررها عظيما على الحكومة المصرية.
كما بدأ يمهد الطرق ويصلحها وبالذات الطرق التي تربط عاصمته بكل من الحماسين والمناطق المجاورة لحدود مصوع وجندر في الجنوب وذلك لمساعدته على الانسحاب في حالة الهزيمة أو لضرب مناوئيه بسرعة بعد انتهائه من الانتصار على المصريين.
هذا بالإضافة إلى أنه قام بشن غارات محدودة على الأهالي حتى يبث الفزع فيهم ويؤكد لهم أن حكومة مصر لا تملك القدرة على حمايتهم، وقد نتج عن ذلك ازدياد شكوى السكان من رعايا الحكومة المصرية القريبين من أراضي أثيوبيا.

بالرغم من تخلي تيودور عن فكرة غزو السودان ومصر، إلا أن ذلك لم ينتج عنه هدوء الحال في الحدود السودانية الأثيوبية، فقد ظلت مضطربة بسبب تهرب القبائل النازلة في هذه المنطقة من دفع الضرائب.
مما نتج عنه استمرار وقوع الاشتباكات بين مصر وأثيوبيا على طول الحدود الممتدة من “المتاكة” حتى القلابات و فازوغلي .
ولقد حافظ الخديوي إسماعيل في بداية عهده على السلام مع أثيوبيا، فطلب من حكمداره في السودان تجنب الاحتكاك والعمل على توطيد الأمن والسلام على طول الحدود بين البلدين، وتوطين الفارين الأثيوبيين على الحدود، ومعاملتهم معاملة حسنة فلا يطردهم أحد أو يعيدهم إلى بلادهم.
وهو بذلك لا يحاول أن يزيد من مشاكل تيودور الداخلية من جانب, ويوطد حكمه بطريقة غير مباشرة من جانب اَخر.
كما أنه عدل نهائيا في هذه الفترة من حكمه عن إرساله أية قوات عسكرية إلى إثيوبيا لقتال شعبها، حتى تسمح ظروفه أو الظروف الدولية بذلك.
ومعنى هذا أن إسماعيل كان ينوي غزو أثيوبيا كلها، ولكنه في بداية حكمه حافظ على السلام لدرجة أنه كان يقبل الفارين الأثيوبيين ولا يحاول استغلالهم ضد تيودور الثاني.


انتظرونا في الجزء الثالث من القصة شبه الكاملة لحرب مصر واثيوبيا

للعودة الى الجزء الاول إضغط هنا 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق