مقال رئيس مجلس الإدارةمقالات

د/ اكرم هلال يكتب / الشرف مابين ساقين المرأة وقاعدة المجتمع


كتب د/ اكرم هلال

شاعت فى الآونة الأخيرة سيجالات عديدة حول مفهوم الشرف، تلك الكلمة التى استخدمتها الدراما المصرية بالعديد من المفاهيم، قرأناها فى ” أفيشات السينما ” فى فيلم (كلمة شرف) للفنان أحمد مظهر والفنان فريد شوقى، والذى تمرض زوجة ويشتد بها المرض فيطلب من مأمور السجن أن يخرج لساعات محدودة لزيارة زوجته وإثبات براءته أمامها قبل وفاتها.على أن يعود أخذا على نفسه كلمة شرف فيوافق المأمور.  ورغم انه قد اتحيت له فرصة الهرب من الظلم الذي وقع عليه ولكن لإيقانه ببراءته رفض ذلك ملتزما بكلمة الشرف التي قطعها على نفسه مع من وثق به.

وهناك ايضاً كلمة شرف سمعناها ورددها الشارع مع الفنان توفيق الدقن (أحلى من الشرف مفيش)، هل تذكرون «باااس انتباه يا دنس أحلى من الشرف مفيش يا آه يا آه»، كلمات خرجت من عبده دنس بلطجى الحارة السكير «توفيق الدقن» فى فيلم «بحبك يا حسن»، الذى أنتج فى الخمسينيات لتلخص لنا الوضع كله. وكان المؤلف يحاول اقناعنا ان الكلمة تفرغت من معناها فبات يستخدمها البلطجية.

  وأيضاً مع الفنان عادل أدهم (جتها القرف عندها شرف) والتى جاءت بأسلوب أدهم المميز وكأنه يسبها لا أن يمدحها،

البعض شبّه الشرف بعود الكبريت، فقالو ” شرف البنت زى عود الكبريت ” لا يشتعل الا مرة واحدة. والبعض يراه أصلاً وأساساً فى المعاملات التجارية بصفة خاصة، فتجدهم يقولون ” نحن نتعامل بكلمة الشرف. أما أهل السياسة لا يرون له وجوداً فى ممارساتهم، لذا قال البعض إن (السياسة نجاسة)،

وفى مجتمعاتنا كان الربط طوال الوقت بين الشرف وسلوكيات الفتاة، وفى الوظيفة المكتبية كان الربط بين الشرف والضمير، وبشكل عام أصبح الخلاف عما إذا كان الشرف مازال موجوداً بعد أن بات متداولاً صباح مساء ضمن أدوات ” القسَم ” فى الأسواق وحتى المنتديات، أم أنه أصبح من الماضى، أم بين بين؟!.

ومن الأمثلة التمثيلية القديمة لمعنى الشرف يحكى أن.

في أحد الأيام إجتمع ( المال والعلم والشرف ) ودار بين الثلاثة الحوار التالي

قال المالْ: إن سحري على الناس عظيم .. وبريقي يجذب الصغير والكبير، بي تفرج الأزمات .. وفي غيابي تحل التعاسة والنكبات !

قال العلْم:  إنني أتعامل مع العقول .. وأعالج الأمور بالحكمة والمنطق والقوانين المدروسة! لا بالدرهم والدينار ! إنني في صراع مستمر من أجل الانسان ضد أعداء الانسانية. الجهل والفقر والمرض.

وقال الشرف: أما أنا فثمني غال ولا أُباع وأُشترى، من حرِص عليّ شرفتُه .. ومن فَرّطَ فيّ حَطمتُه وأذللته !

    وعندما أراد الثلاثة الإنصراف تساءلوا : كيف نتلاقى ؟

قال المال: إن أردتم زيارتي يا أخواني فابحثوا عني في ذلك القصور العظيمة.

وقال العلم: أما أنا فابحثوا عني في تلك الجامعات وفي مجالس الحكماء.

وهنا ظل الشرف صامتاً فسألاه زميلاه لم لا تتكلم ؟؟؟؟

فقال: أما أنا فإن ذهبت فلن أعود !!!..

وفى موسوعة ويكيبيديا، تم تعريف الشرف على أنه: صفة تقييم مستوى الفرد فى المجتمع، ومدى ثقة الناس به، بناء على أفعاله وتصرفاته، وأحياناً نسَبِه، كما يعد الشرف من الأخلاق الحميدة، ويستدل به على نقاء السريرة والأمانة المادية والأخلاقية، وأيضاً البعد عن الأفعال الآثمة التى يجرمها المجتمع، وجاء فى الموسوعة أيضاً أن قيمة الشرف المعنوية انخفضت بشكل ملحوظ لدى العديد من الأمم، بينما تؤمن أغلب المعتقدات النمطية بأن الاهتمام بها يزداد لدى الثقافات ذات الدماء الحارة، مثل الطليان والفرس والعرب والأتراك والإسبانيين والبرتغاليين.

وفى اللغة، الشرف هو (العلو)، ويقال ذا الشرف أى ذا العلا والرفعة، والاعتداء على الشرف يكون مفهوماً فى اللغة باعتباره مساساً بأى صفة فى الفرد لها اعتبار فى رفع قدره وقيمته، ومن معانى الشرف أيضاً صيانة العرض واحترام الكلمة، وهو حالة وجود إنسانية وقيمة اجتماعية وأخلاقية. كما يأتى الشرف فى الكثير من المعانى المترادفة: (يشرفنى القيام بشىء أو التعامل مع شخص ما) أى يعزنى ويكرمنى، أو أن يكون حدث ما (على شرف) فلان، أى أنه ضيف رفيع المستوى والمكانة، يضيف بوجوده للحدث، أو (القتال بشرف) فى المعارك أو المواجهات، أى أن تكون المعركة متكافئة وبدون ألاعيب خادعة، أو (الموت بشرف) أى أن يموت الفرد مدافعا عن دينه أو وطنه أو عرضه أو عن قضية يؤمن بها، أو حتى عن نفسه بدون أن يهرب أو يجبن.

وهنا يجب أن نعترف بأن الأوراق قد اختلطت كما المفاهيم فى الآونة الأخيرة حول مفهوم الشرف، بعد أن أصبح الشريف متهماً، بينما عديم الشرف يعيث فى الأرض فساداً، وكأن الحياة تحاول إعادة إنتاج «محجوب عبدالدايم» من جديد؟

حيث يُعد «محجوب عبدالدايم» من أشهر الشخصيات التى رسمها الكاتب الكبير «نجيب محفوظ» (1911- 2006) فى روايته «القاهرة الجديدة» التى كتبها عام 1945 وتحولت إلى فيلم عام 1966 بعنوان «القاهرة 30» من إخراج «صلاح أبوسيف» وكان محجوب عبدالدايم فى حالة صراع دائم مع نفسه وأفكاره والمجتمع والحياة والدين. وكان ناقماً على ما اعتبره ظلماً اجتماعياً شديداً، فقد كان يحيا حياة بائسة بمعنى الكلمة وتدور الرواية فى بداية حياته الجامعية حيث كان يعيش حياة فقيرة لا يمتلك سوى بدله واحدة ويتحايل على ظروفه كى يعيش حتى ينتهى من دراسته الجامعية، ومن ثم قد ينقلب الحال ويُصبح من كبار القوم ويمتلك راتباً قد يعينه على الحياة. يقول محجوب مُحدثاً نفسه ومُخاطباً «القناطر» حيث كان يعيش «يا قناطر يا بلدنا.. وزعى الحظ بين أبنائك بالعدل» فكان شعوره بالظلم الاجتماعى يُهيمن عليه فجعله يتبنى مبدأ سماه « طُز»، حيثُ فقد الإيمان بكل القيم والمبادئ ولم يعُد يصدق أى منها. ويقول محجوب فى الرواية: «والشرف قيد لا يغل إلا أعناق الفقراء» «وكثير مما نحسبه حقائق أو قيما ما هى إلا أسماء» فخلال أحداث الرواية تتأكد لدى «محجوب» حتمية إيمانه بمبدأ «طُز» فقد استمرت معاناته المالية تزيد واستمرارها أفقده إيمانه بالقيم والمُثل والدين.

فالشريف قد يصبح سيئ السُمعة بين ليلة وضحاها، بينما عديم الشرف يصبح من ذوى الحظوة بجرة قلم، الشريف قد لا يستطيع الدفاع عن نفسه أو إثبات براءته، بينما عديم الشرف يهيمن على الميكروفونات على مدار الساعة، قد يكون فى عقيدتنا أن ساعة الظلم ساعة، وأن ساعة الحق إلى قيام الساعة، وقد نكون تعلمنا أن أحداً يمكنه خداع الناس بعض الوقت، إلا أنه لا يستطيع أن يخدعهم طوال الوقت، إلا أنه ما بين رفع الظلم أو كشف الخداع يكون البلاء قد عمّ، والخراب قد طمّ، ويصبح من الصعب الرفع أو الانقشاع، ذلك أن الحقوق قد ضاعت والدماء قد أُهدرت.

إذن لابد من أن نعترف بأن مفهوم الشرف قد تعرض لتشويهات جوهرية وتحريفات خطيرة أكثر من أي مفهوم آخر، أدت في النهاية إلى تفريغه من مضامينه واستبداله بمفهوم جديد مختلف ومغاير تماما للمفهوم الأصلي.

فقد تم حصرة فيما بين سيقان المرأة بالرغم من أنة فى الأصل جزء من قاعدة المجتمع عموما. ولكنة ظل يخرج تجريدياً الى أن أصبحت القاعدة فارغة تماماً.

فإذا كان مفهوم الشرف مفهوما نسبيا تختلف تعبيراته وشروطه من مجتمع لآخر، إلا أن كثيراً من المعاني الإنسانية تندرج تحت هذا المفهوم، ولا يستطيع أي فكر إنساني أن يتجاوزها أو يغفلها، وعلى رأس هذه المعاني يأتي الصدق والعدل وعمل الخير.

والسؤال هو: هل فعلاً ينحصر مفهوم الشرف في ” المرأة” ؟  وتحديدا في فيما بين ساقيها أوربما جسدها وسلوكها ؟؟ أم أن هذه ثقافة قد تكونت على يد وعاظ السلاطين لإنشاء قاعدة مجتمعية كبيرة لخدمة قوى سياسية معينة لتثبيت سلطة حكم ونظام مجتمع؟؟

ربما يبدوا المقال طويلا بعض الشى أو كل الشئ ولكن لحتمية الوصول لأفضل نتيجة كان لأبد من التذيد فى الموضوع فلو رجعنا الى العصور الأولى من تاريخ البشرية نجد أن المرأة قد عاشت عصراً ذهبيا ضمْن بيئات اجتماعية سُميت مجتمعات الأمومة، وكانت حينها موضع حـبٍ ورغبة وموضع خوف ورهبة في آن معا، هذه المكانة المرموقة التي أخذتها المرأة بسبب نظرة المجتمع لها واقترانها بتفسيره لبعض الظواهر: فمن جسدها تُولد الحياة، ومن صدرها ينبع الحليب، ودورتها الشهرية تنتظم مع دورة القمر، وخصبها وما تفيض به على أطفالها هو خصب الطبيعة، وبعد اكتشاف الزراعة أدرك الإنسان أن المرأة هي الوجه الآخر للأرض، فهي تحبل بالبذور وتطلق من رحمها الزرع الجديد، وهي منشـأ الأشـياء ومردها،  ولذلك وصلت بها مرحلة التقديس إلى مستوى التأليه ” الآلهة المؤنثة” وقد كانت ” عشتار ” تجسيداً لهذه الثقافة. ولكن فترة ” دلع ” المرأة هذه لم تدم طويلاً. فمع توصل الإنسان البدائي إلى المعرفة الجنسية واكتشاف الصلة بين الجماع والإنجاب، صار يمارس الجماع ليس فقط للمتعة بل من أجل الإنجاب أيضا، فنزلت المرأة من منزلة القدسـية باعتبارها ” أم” تملك القدرة الإلهية على الإنجاب والإرضاع ووهْب اللذة، إلى مرتبة حاضنة للبذور التي يلقيها الرجل فيها و” بقرة ” إرضاع، وأصبح الرجل هو المخصب الإلهي والمرأة هي الأداة، والرجل هو الذي يتمتع والمرأة إناءً لمتعته، وانتقلت العبادة من الآلهة الأم إلى الإله السـيد.

ومع استنفاذ قوة المرأة بيولوجيا بسبب الحمل والولادة والرضاعة والتفرغ لتربية الأولاد ومع تتابع هذه العملية والانشغال بشؤون الأسرة، وبسبب عجزها الذي يعاودها مع الحيض وعدم تدريبها على السلاح ( الذي بقي حكرا على الرجال )، أدى ذلك إلى أعاقتها في حربها مع الحياة ومن ثم إلى هزيمتها، مما يعني أن عليها أن تنزل منزلة دنيا .

اذن فقد كان وضع المرأة فى مستوى متدنى مقدمة موضوعية تمهد لاضطهاد العبيد واضطهاد المجتمع بأسره ومن ثم قمع الإنسانية وإخضاعها لخدمة السلطة وسلاحا تشهره ذهنية التحريم والقائمين عليها في وجه حركات التنوير والتغيير والثورة على الظلم، وقد احتاجت السلطة والفئات المسيطرة إلى إطار أيديولوجي وقيمي تستند إليه ويمكنها من المضي قدما في مظالمها واستغلالها وتوظفه لخدمة سياساتها، ويجعل من سلوكها أمرا عاديا ومقبولا من قبل المجتمع، أي بالاتكاء على الطرف الأضعف وهي المرأة وجعلها شماعة لأخطائهم وسببا لسلوكهم القائم على التعسف والقهر، أي بعبارة أخرى من خلال ربط الشرف والأخلاق بالمرأة وحدها واقترانهما بجسدها وسلوكها لتُبرأ بعدها ساحة الباحثين عن المناصب.

ومن هنا بدأ تفريغ الشرف من محتواه الانسانى، وهكذا تمكن ” شرفاء المناصب ”  من تأسيس نظام اجتماعى مخصص لخدمتهم، ولم يعد الشرف يعني العمل الخلاق والانتماء والنزاهة والدفاع عن الأوطان، بل أصبح شيئا مرتبطا بجسد المرأة وسلوكها فقط ولا علاقة له بأعمالهم القذرة وسلوكياتهم الحقيرة إلا بقدر سلوك الزوجه والأم والابنه، وبذلك أصبح معيار الشرف هو أن واحدة من هؤلاء الثلاث تمارس الجنس الحرام أم لا،

تمكن ” شرفاء المناصب ” من فرض ثقافتهم هذه على البيئة المحيطة بهم بحيث تكيف معها وأصبحت من البديهيات والمسلمات .

وهنا تصيدت الطبقات العليا في المجتمع عبارة الشرف بمضمونها الجديد وراحت تنفخ فى الرماد لاقناع الطبقات المتوسطة والفقيرة بهذا الفكر المحدود من محتوى الشرف الكبير تلك القماشة الواسعة التى تحتوى على مضامين تفوق هذا الفكر بكثير وراحت تروج له افكار مسمومة تجاه كل ما تقوم به المرأة من أفعال لا على أساس المحافظة عليها ولا على أساس الإعمال بما جاء فى الديانات السماوية المعترف بها ولكن لانهاك هذه الطبقات فى البحث والتحرى وراء هؤلاء التهم الثلاث ( الام – الزوجة – الابنة ) حسب ما حاولوا تصويره داخل أذهانهم. ومن ثم تركهم يعيثون فى الأرض فسادا. ومن هنا تكبر القاعدة لديهم.

وابتلع الرجال الطعم وراحو يزيحون الستار عن كل أعمال النساء وأصبحت ” جريمة الشرف ” هى عنوان أساسى لجريمة ” الزنا ” بالرغم انها عنوان كل ما هو غير أخلاقى ك ( النصب والسرقة والاحتيال والغش والتزوير … الخ )

فاضطهدت جماعة ” شرفاء المناصب ” الرجل وأسرته معا وسخرتهما لخدمة مصالحها وأقامت على أكتافهم نظامهم الطبقي / الإقطاعي دون مقاومة من الرجل أو المرأة على حداً سواء، لأن الأمر بدا طبيعيا وأصبح امتدادا للثقافة الجديدة.

وهنا أصبح ” شرفاء المناصب ” يقمعون المجتمع بأسره وبكافة طبقاته ودون مقاومة، إذ أن الأمور قد سارت على نحو يسهل مهمتها ويمهد الطريق أمام آلة قمعها، ويطبع عقول المجتمع لتتقبل الأمر بشكل اعتيادي، فإن كان العنف يولد العنف فإن الخنوع يولد الخنوع، وفي النهاية سينتظم المجتمع على النحو الذي يخدمهم والطبقات المسيطرة بحيث يأخذ كل منهم نصيبه من الغنائم، وطبعا أولها المرأة نفسها، والتى تحولت الى ( جارية – زانية – مومس ) بعد ان كانت ( الام – الزوجة – الابنة ) وهكذا سيؤسس المجتمع نظامه القيمي والأخلاقي بما يخدم هذا الواقع ويعيد تعريف معنى الشرف بما يتماشى مع طبيعة المجتمع ونظرته الطبقية تجاه بعضه البعض.

فاصبح الفاسق شريف إذا كانت زوجته لا تخونه مع آخر، والمنافق شريف طالما أن ابنته تحافظ على عذريتها، والظالم المستبد شريف طالما أن نساء أسرته يحافظن على عذريتهن، وانتقل هنا التشويه إلى المرأة نفسها لتصبح المرأة الحقودة الحسودة شريفة طالما أنها تحافظ على فرجها، والمرأة الخبيثة الماكرة هي أيضا شريفة طالما أنها تراعي بعض التقاليد الشكلية. وهذا مفهوم غريب للشرف يهبط بمستواه ويحدده بحدود الممارسة الجنسية.

وبطبيعة الحال فإن المرأة التي لا تحترم نفسها ولا تحترم جسدها ولا تؤمن بأساسيات دينها ولا تقيم وزنا للمجتمع هي بالتأكيد امرأة غير شريفة. ولكننا نؤكد على أنها ليست الوحيدة التي تمثل العهر في المجتمع،

وهكذا فإن هذا التشويه لمفهوم الشرف سيطول بقية قيم المجتمع، فيصبح الغني صاحب الجاه والنفوذ إنسانا شريفا حتى لو حصل على ثروته بالنصب والاحتيال، والتاجر الكبير شريفا حتى لو اعتمد الغش في معاملاته .

أما الزنى الفكري والتساقط السياسي والانحطاط الأخلاقي والنفاق والاستغلال واحتلال الأوطان وتدنيس المقدسات وانتهاك الحرمات وسحق حقوق الإنسان وغيرها، كل هذه الأشياء في نظر ” شرفاء المناصب ” والمجتمع ” المنتهك ” لا علاقة لها بالشرف، طالما أن القائمين عليها أو منفذيها لم يتجاوزوا بعض الشكليات السطحية، وما داموا أغنياء وأقوياء، وسيبقى المجتمع يتقرب إليهم ويتملق لهم، وسيبقى متسلطا على الفقير والضعيف ويرجمه وينبذه إذا ما أقدم على أي انحراف .

إن إعادة الاعتبار لمفهوم الشرف وإعطائه مضامينه الحقيقية وترقيته إلى درجة أخلاقية أعلى، لا بد أن يتعلق الشرف برأس الإنسان وبمسلكه وأخلاقه كما يتعلق بفرجه وماله، ويجب أن يتمسك الناس بجوهر الشرف من حيث الصدق والعدالة والمساواة والحرية، وأن يكون للإنسان حياة واحدة وشخصية واحدة، هي حياته العلنية وشخصيته العلنية وهذا هو معيار الشرف، أما أن يكون للإنسان حياتين وشخصيتين، واحدة يدعي فيها الشرف وأخرى سرية يمارس فيها كل الرذائل فهذا هو العهر بعينه، ويجب أن يكون العلم والأخلاق والعمل هو معيار الشرف ومقياسه، لا الشكليات والمظاهر البراقة.

أن مفتاح التغيير الجذري في مجتمعنا هو ترسيخ النظرة الإيجابية للانسان وتحرير عقله من الخرافة والتقليد، وتحرير المجتمع من المفاهيم المتخلفة للشرف، واعتبار هؤلاء الذين يحرصون على استخدام قسم اليمين طوال الوقت بأنهم كاذبين. وهؤلاء الذين يدّعون الشرف والفضيلة طوال الوقت غير شرفاء ، وهؤلاء الذين يحرصون على إثبات عكس ذلك أيضاً بأنهم منافقين ،

وذلك لأن السلوك العام هو الذى يُصدر الأحكام، فهى شهادات لا تُمنح من أصحابها لأصحابها، فيجب منحها من الآخرين للآخرين، كما جاء فى الحديث الشريف: (إذا رأيتم الرجل يتردد على المساجد فاشهدوا له بالإيمان) لا يجب ولا يجوز أن يشهد لنفسه، الشهادة تأتى من الآخرين،

فلقد بتنا نسمع قسم اليمين مُكثفاً فى أسواق المواشى بصفة خاصة، نسمع الحديث عن الشرف بين المسجلين خطراً، بالتأكيد كما نسمع الحديث عن الشفافية أكثر ما نسمع فى وسائل الإعلام، مع أنها كلها أيمانات وادعاءات وأحاديث كاذبة، أصحابها يدركون ذلك، كما يدركون أن مستمعيهم يدركون ذلك أيضاً.

وهنا يحضرنى النص الشهير للفنان أحمد زكى فى أحد أعماله الفنية، الحب فوق هضبة الهرم: (كلهم كدابين، وعارفين إنهم كدابين، وعارفين إن إحنا عارفين إنهم كدابين، وبرضه مستمرين فى الكدب)، وهى دلالة مبكرة على أن العملية أصبحت عادة تُستخدم فيها الميكروفونات ووسائل الإعلام، بعد أن كانت نشازاً تأتى فى إطار (إذا بُلِيتُم فاستَتِرُوا)، كما تشير إلى أنها انتقلت من ممارسات فردية إلى طبيعة جماعية، ومن الرعاة إلى الرعية، وهى قضية كان يجب التصدى لها مبكراً بدق ناقوس الخطر، حتى لا تتعامل معها الأجيال الجديدة على أنها أسلوب حياة.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق