دينمقال رئيس مجلس الإدارةمقالات

اكرم هلال يكتب عن “الماتريدية” الجزء الثانى

بقلم/ اكرم هلال

أن الدين هو الواقي الأهم والملاذُ الآمنُ لجميع المجتمعات في تشكيلِ ثقافتِها والحفاظِ على هويتِها؛ فالمجتمعات المؤمنةُ ينزع أفرادها إلى الله سبحانَه وتعالى، ويلبي الدينُ حاجةَ الروح للإيمان والسكينة،  كون الدين في الفكر الإسلامي بمصادره الصحيحة يعد الأساسَ الأولَ الذي تقوم عليه، وتأخذ منه مادتَها العلمية والثقافية، وتستمد منه ذاتيتَها، ووجهتَها، وتصوراتِهَا، وقِوامَ شخصيتِها، وتعتمد عليه في نقد التراث البشري، ومواجهةِ التحدياتِ التي تعترض سبيلَ المحافظةِ على هويتِها من الذوبانِ في غيرِها، وهو العاصمُ لها منَ الانحرافِ عن الطريق السويِّ، أو الاندثارِ مع الثقافاتِ الدخيلةِ التي لا تخدمُ الروحَ ولا تنسجِمُ مع الهويةِ الوطنيةِ وتتعارضُ مع القيمِ الأخلاقيةِ؛  وبذلك يتحققُ الصمودُ أمامَ متغيراتِ الحياةِ، وأمامَ الذوبانِ في غيرها من الثقافاتِ الأخرى، ذوبانٌ يهدم الأصولَ وينسفُ الركائزَ. والماتريدية هى منهج يتميز بالوسطية فهو منهج وسط بين منهجين متقابلين: أولهما: “آوى إلى العقل”، ثانيهما: “آمن أصحابه بالنص الشرعي إيمانًا كاملًا”، أن عقيدة الماتريدية امتداد متطور لمنهج السلف الصالح، وفيها علاج لمعظم المشكلات الفكرية، فالماتريدية اتخذوا منهجًا وسطًا جمعوا فيه بين دلالتي العقل والنقل، يشبه فى ذلك المنهج الأشعرى كثيرًا.وفى هذا الجزء سنتعرض الى:

نشأة الماتريدية :

نشأت الماتريدية على يد ” أبى منصور محمد بن محمد بن محمود الانصارى الماتريدي السمرقندي”، وكان يلقب بإمام الهدى وإمام المتكلمين، ورئيس أهل السنة والإمام الزاهد. وجاءت لفظة “الماتريدي” نسبة إلى ماتريد ويقال لها ماتريت، وهي محلة قرب سمرقند، ذكرها السمعاني وقال: تخرج منها جماعة من الفضلاء، و(السمرقندي) نسبة إلى سمرقند وهي المدينة المشهورة ببلاد ماوراء النهر. والانصاري نسبة الى (أبو أيوب خالد بن زيد بن كليب الأنصاري) (المتوفي سنة 52 هـ) صحابي من الأنصار من بني غنم بن مالك بن النجار من الخزرج، شهد بيعة العقبة والمشاهد كلها مع النبي (محمد صلى الله عليه و سلم) ، وهو الذي خصَّه النبي محمد بالنزول في بيته عندما قدم إلى يثرب مهاجراً، وأقام عنده حتى بنى حجره ومسجده وانتقل إليها. “آخى النبي محمد بينه وبين الصحابي مصعب بن عمير”. وكان أبو أيوب الأنصاري مع علي بن أبي طالب ومن خاصته، فولاّه على المدينة المنورة حتى دخلها جند معاوية.

مكانة الماتريدى:

يحتل الماتريدي منزلة كبيرة في تاريخ الفكر الإسلامي حيث أنه مؤسس لإحدى المدارس الكلامية التي ذاع وانتشر فكرها في العالم الإسلامي وهي المدرسة الماتريدية، التي أصبحت هي والأشعرية تتقاسم العالم الإسلامي، وفيها يقول طاش كبرى زاده: إن رئيس أهل السنة والجماعة في علم الكلام رجلان، أحدهما حنفي والآخر شافعي، أما الحنفي فهو أبو منصور محمد بن محمد بن محمود الماتريدي إمام الهدى، وأما الآخر الشافعي وهو شيخ السنة ورئيس الجماعة إمام المتكلمين أبو الحسن الأشعري البصري. للماتريدي عدة مؤلفات منها: تأويلات أهل السنة، وهو كتاب في التفسير، وكتاب التوحيد: والذي يعد من أهم مؤلفاته الكلامية، وذلك لأنه قد قرر فيه نظرياته الكلامية، وبين فيه معتقده في أهم المسائل الاعتقادية، فلذلك صار كتاب التوحيد المرجع الأساسي في معرفة عقيدة الماتريدية، وكل من جاء بعد الماتريدي من الماتريدية اعتمدوا عليه، كما أن الكتاب يعد من أهم المراجع الكلامية التي ذكر فيها آراء مختلف الفرق الإسلامية وخاصة المعتزلة، وكذلك آراء الفرق غير الإسلامية. عاصر الماتريدي أبو الحسن الأشعري، وعاش الملحمة بين أهل الحديث وأهل الكلام من المعتزلة وغيرهم، فكانت له جولاته ضد المعتزلة وغيرهم، ولكن بمنهاج غير منهاج الأشعري، وإن التقيا في كثير من النتائج غير أن المصادر التاريخية لا تثبت لهما لقاء أو مراسلات بينهما، أو إطلاع على كتب بعضها.

أهم آراء الماتريدي إجمالًا تتلخص في: 

أنه لا يرى مسوغا للتقليد بل ذمه وأورد الأدلة العقلية والشرعية على فساده وعلى وجوب النظر والاستدلال. يذهب في نظرية المعرفة إلى لزوم النظر والاستدلال وأنه لا سبييل إلى العلم إلا بالنظر. يوافق السلف في الاعتقاد في أسماء الله ويرى أن أسماء الله توقيفية، إلا أنه لم يفرق بين باب الإخبار عن الله وبين باب التسمية فأدخل في أسماء الله الصانع والقديم والمنشئ. يرى أن المؤمنين يرون ربهم والكفار لا يرونه. أثبت الاستواء على العرش وبقية الصفات دون تأويل لها ولا تشبيه، كما أنه يعتقد أن صفات الله لا هي هو ولا غيره. في القضاء والقدر هو وسط بين الجبر والاختيار، فالإنسان فاعل مختار على الحقيقة لما يفعله ومكتسب له وهو خلق لله، حيث يخلق للإنسان عندما يريد الفعل قدرة يتم بها، وهذه القدرة يقسمها إلى قسمين: قدرة ممكنة: وهي ما يسميها لسلامة الآلات وصحة الأسباب، وقدرة ميسرة: زائدة على القدرة الممكنة وهي التي يقدر الإنسان بها على الفعل المكلف به مع يسر تفضلا من الله. يقول بخلق أفعال العباد، وهو يفرق بين تقدير المعاصي والشرور والقضاء بها، وبين فعل هذه المعاصي، فالأول من الله والثاني من العبد بقصده واختياره وقدرته، ويمنع إضافة الشر إلى الله، ونسبة الفعل إلى العبد يقصد به أن الله لا يخلق فعل العبد إلا بعد أن يريده العبد ويختاره فيصبح ذلك العمل كسبا له يجازي به. في مسائل الإيمان لا يقول بالمنزلة بين منزلتين، ولا يقول بخروج مرتكب الكبيرة عن الإسلام، ويرى أن الإيمان هو التصديق بالقلب دون الإقرار باللسان.

مراحل التطور:

مرت الماتريدية في رحلة تطورها بأدوار تاريخية نتيجة النشاط الكبير الذي طرأ على التأليف، وأهم هذه الأدوار:

الدور التأسيسي: وهو دور أبو منصور الماتريدي (257 هـ – 333 هـ) يمتاز هذا الدور بأنه دور النشأة والتأسيس، كما يمتاز بشدة النطاح والمجادلة بين الماتريدي والمعتزلة، كما يظهر من تأليفات الماتريدي ورسائله، ومن خلال نصوص الماتريدي ضد المعتزلة في كتبه. دور تكويني: وهو دور تلامذة الماتريدي ومن تأثر به بعده، ويمتاز هذا الدور بأنه تكونت فيه فرقة كلامية ماتريدية وظهرت على وجه الأرض، كما يمتاز بوجود تلامذة الماتريدي الذين نشروا أفكار شيخهم وإمامهم والدفاع عنه. دور بزدوي: وهذا الدور تمديد لسابقه بالنشر والتأليف، ومن أهم شخصيات هذا الدور أبو اليسر البزدوي (ت: 493 هـ). دور نسفي: وهذا الدور امتاز بكثرة التأليف، وجمع الأدلة للعقيدة الماتريدية، من أهم أعيان هذا الدور أبو المعين النسفي (ت: 508 هـ) ونجم الدين عمر النسفي (ت: 537 هـ)، وحافظ الدين عبد الله النسفي (ت: 710 هـ) وهو أكبر أدوار العقيدة الماتريدية السابقة. في بداية هذا الدور نشأ دور آخر وهو دور صابوني: يمتاز بكثرة المناظرات بين الماتريدية وبين الأشعرية، وأهم شخص في هذا الدور هو أبو محمد نور الدين أحمد بن محمد الصابوني (ت: 580 هـ)، اعتمد الصابوني في دراسته لأصول الدين على كتاب تبصرة الأدلة.

دور عثماني: نسبة إلى الدولة العثمانية، وامتد هذا الدور في الفترة (700 هـ – 1300 هـ)، وهذا الدور جمع الكثير من الأدوار الماتريدية ومنها دور صدر الشريعة عبيد الله بن مسعود، دور التفتازاني: نسبة إلى سعد الدين التفتازاني، دور الجرجاني، ودور الكمال بن الهمام، وغيرها من الأدوار التي تتصل بالدولة العثمانية. هذه الأدوار كلها ترجع إلى أم الأدوار ألا وهو الدور العثماني الذي يعد أهم الأدوار الماتريدية حيث بلغ هذا الدور أوج الكمال حيث استظل هذا الدور بظل الدولة العثمانية وتمتع بخيراتها، لأن الدولة العثمانية كانت دولة حنفية الفروع ماتريدية العقيدة، فكان سلطان الماتريدية يتسع حسب اتساع سلطان الدولة العثمانية وكان جل القضاة والمفتين وخطباء الجوامع ورؤساء المدارس حنفية الفروع ماتريدية العقيدة هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى كثرت في هذا الدور تأليف أنواع الكتب الكلامية من المتون والشروح والشروح على الشروح والحواشي والحواشي على الحواشي والتنكيتات، كما كان بين الماتريدية والأشعرية ائتلاف كأنهما فرقة واحدة صعب التمييز بينهما، وفي هذا الدور انتشرت العقيدة الماتريدية في شرق الأرض وغربها في الهند وتركيا وفارس وبلاد الروم وبلاد العرب والعجم.

ثم طرت على الماتريدية أدوار حديثة النشأة تتمثل في: الدور الديوبندي: نسبة إلى جامعة ديوبند التي أسسها الشيخ محمد قاسم النانوتوي إمام الديوبندية، يمتاز هذا الدور بكثرة التأليف في علم الحديث من شروح وغيرها، والديوبندية أئمة في العلوم النقلية والعقلية كما هم في قمة من الزهد والتأله، للديوبندية شعبتان مهمتان: شعبة التعليم والتدريس، وشعبة التبليغ والتربية وهي المعروفة بجماعة التبليغ. دور بريلوي: نسبة إلى زعيمهم أحمد رضا خان الأفغاني الحنفي الماتريدي. دور كوثري: منسوب إلى الشيخ محمد زاهد الكوثري الجركسي الحنفي الماتريدي. دور فنجفيري: ينسب هذا الدور إلى زعيم الجماعة الفنجفيرية شيخ القرآن محمد طاهر بن آصف الحنفي الماتريدي الديوبندي النقشبندي، اسم هذه الجماعة هو جماعة إشاعة التوحيد والسنة وهي فرع للديوبندية النقشبندية الصوفية، وهي جماعة لها دور ونشاط كبير في نشر ترجمة القرآن الكريم. دور ندوي: تتمثل في المدرسة الندوية الهندية، وهي لا تختلف عن المدرسة الديوبندية الفنجفيرية، ينسب الدور إلى إمام الندوية الشيخ أبا الحسن الندوي.

الانتشار:

حققت المدرسة الماتريدية انتشارًا كبيرًا في بقاع الأرض شرقها وغربها لعدة أسباب، 

السبب الأول: وهو السبب الرئيس بل أهم الأسباب يتمثل في اعتناق السلاطين والملوك للمذهب الحنفي، فبسبب ذلك انتشر المذهب الحنفي في العالم الإسلامي، وبانتشار الحنفية ونفوذ سلطانهم انتشرت الماتريدية، لأن الماتريدية يمثلون المذهب الحنفي عقديًا.

السبب الثاني: من المعروف في التاريخ عبر القرون أن أية دولة إذا كانت تميل إلى فرقة ما تسهل وتوفر لعلمائها مناصب القضاء، والإفتاء والرئاسة والخطابة والتأليف، والتدريس، فيجدون أسبابًا كثيرة وطرقًا ميسورة لبسط سلطانهم على القلوب والأبدان، ونفوذ تأثيرهم على الشعوب والأوطان وتشجعهم الدولة أيضا بإنشاء المدارس والجوامع، وبذلك تنشر أفكارهم ويزداد نشاطهم. قال الشاه ولي الله الدهلوي في بيان سبب انتشار الحنفية: فأي مذهب كان أصحابه مشهورين، وسد إليهم القضاء والإفتاء، واشتهرت تصانيفهم في الناس، ودرسوا درسًا ظاهرًا، انتشر في أقطار الأرض، ولم يزل ينتشر كل حين، وأي مذهب كان أصحابه خاملين، ولم يولوا القضاء، والإفتاء، ولم يرغب فيهم الناس اندرس بعد حين. وهكذا انتشرت الماتريدية وعقائدها في بلاد ما وراء النهر، وبلاد الترك والأفغان والهند والصين وما والاها.

السبب الثالث: مدارس الماتريدية ونشاطهم الدراسي والتدريسي: لمدارس الماتريدية دور عظيم في نشر عقيدتهم، وعلى سبيل المثال تذكر جامعة ديوبند أكبر جامعة للماتريدية في القارة الهندية، ولها دور كبير في نشر العقيدة الماتريدية، ومثلها مدارس الحنفية الماتريدية في أفغانستان، وفي تاريخ الدولة العثمانية، حيث خدمت الحنفية والماتريدية في آن واحد.

السبب الرابع: نشاط الماتريدية في ميدان التأليف: للماتريدية نشاط بالغ وسعي متواصل في ميدان التصنيف في علم الكلام، وانتشرت هذه الكتب في مشارق الأرض ومغاربها وبانتشارها ودرسها وتدريسها انتشرت العقيدة الماتريدية وبسطت سلطانها على قلوب المشائخ والطلاب. يقول الدكتور أبو الخير محمد أيوب علي البنغلاديشي الماتريدي: وندرك أثر الماتريدي ونجاح طريقته ورضاء أهل السنة بها حين نرى الفقه الأكبر لأبي حنيفة، والعقيدة للنسفي، والمسايرة لابن الهمام تدرس في هذه الأيام في الجامعات الدينية وكلياتها، والمعاهد الدينية ومنها الأزهر وفي كثير من البلاد الإسلامية، وقد أدرك الأزهر ضرورة دراسة المدرسة الماتريدية، والتعريف بأبي منصور الماتريدي فأدرج في منهج الدراسة في كليتي الشريعة، وأصول الدين دراسة هذه المدرسة دراسة علمية وتاريخية.

العقيدة:

تحديد منهج الماتريدية في تقرير العقيدة وتمييزه عن منهج المعتزلة والأشاعرة مسألة وقع فيها خلاف كبير، فمنهم من رأى أن منهج الماتريدية يوافق منهج الأشاعرة قلبًا وقالبًا، ومنهم من يرى أنه يوفق منهج المعتزلة، وبعضهم يرى أن الماتريدية وسط بين الأشاعرة والمعتزلة. الدكتور فتح الله خليف محقق كتاب التوحيد للماتريدي برى أن الماتريدي والأشعري يلتقيان في المنهج كما يلتقيان في المذهب، فليس المذهب إلا تطبيقًا للمنهج، يلتقيان في إثبات صفات الله وفي كلامه الأزلي وفي جواز رؤيته، وفي بيان عرشه واستوائه، وفي أفعال العباد، وفي أمر مرتكب الكبيرة، وفي شفاعة رسوله، وتلك أهم المسائل التي وقع فيها الخلاف بين فرق المسلمين، بل إنها أهم موضوعات علم الكلام. أما الدكتور محمد قاسم فيرى أن منهج الماتريدية يوافق منهج المعنزلة إلا في مسألة حكم مرتكب الكبيرة ويقول: يظن عادة أن الأشعرية والماتريدية يمثلان فريق أهل السنة، وأنهما فرسا رهان يسيران جنبًا إلى جنب في هدم آراء المعتزلة المبتدعة، وتلك هي الفكرة السائدة، وأن وجه الحق ينحصر في أن الماتريدية كانوا أقرب إلى المعتزلة من الأشعرية… إن مسألة الخلاف بين الماتريدي والمعتزلة الحقيقي الوحيد إنما هو مسألة المنزلة بين منزلتين. ويرى الكوثري ان الماتريدية وسط بين الأشاعرة والمعتزلة ويقول الماتريدية هم الوسط بين الأشاعرة والمعتزلة، ويقول محمد أبو زهرة في كتابه تاريخ المذاهب الإسلامية: عند الدراسة العميقة لآراء الماتريدي وآراء الأشعري في آخر ما انتهى إليه نجد ثمة فرقًا في التفكير وفيها انتهى إليه الإمامان، وأنه بلا شك كان كلاهما يحاول إثبات العقائد التي اشتمل عليها القران بالعقل والبراهين المنطقية، وأن كليهما كان يتقيد بعقائد القران، بيد أن أحدهما كان يعطي العقل سلطانًا أكثر مما يعطيه الآخر… لذلك نقرر أن منهاج الماتريدية للعقل سلطان كبير فيه، حتى يكاد الباحث يقرر أن الماتريدية في خط بين المعتزلة والأشاعرة. الاختلاف في تحديد منهج الماتريدية يرجع إلى التداخل بين المدارس الكلامية الثلاث من اعتزاليه وأشعرية وماتريدية، فهي جميعًا انطلقت من مناهجها من أصل واحد وهو جعل العقل أساسًا لمعرفة العقيدة.

مصدر الماتريدية في التلقي هو العقل، وبهذا صرح الماتريدي في كتاب التوحيد إذ يقول: أصل ما يعرف به الدين وجهان أحدهما السمع والآخر العقل، أما السمع فما لا يخلو بشر من انتحاله مذهبً يعتمد عليه ويدهوه غيره إليه… والأصل أن الله تعالى إذ لا سبيل إلى العلم به إلا من طريق دلالة العالم عليه، بانقطاع وجوه الوصل إلى معرفته من طريق الحواس عليه أو شهادة السمع. الماتريدية لا تقول بالقدرة المطلقة للعقل، إذ أن العقل عندهم يدرك ظواهر الأشياء ولا يدرك ماهيتها وحقائقها، ويقول الماتريدي أن العقول أنشئت متناهية تقصر عن الإحاطة بكلية الأشياء والأفهام متقاصرة عن بلوغ غاية الأمر. ذهبت الماتريدية إلى أن معرفة الله تجب بالعقل قبل ورد السمع، وأن الإنسان يتحمل مسؤولية هذه المعرفة قبل بعثة الأنبياء والرسل ولا يكون معذورًا بتركها، بل يعاقب على تركه لها. صرح بذلك الماتريدي في تفسير (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) حيث ذكر أن حقيقة الحجة إنما هي في العبادات والشرائع التي سبيل معرفتها الرسل، أما معرفة الله فإن سبيل لزومها العقل، فلا يكون لهم في ذلك على الله حجة. قال أبو المعين النسفي: من لم يبلغه الوحي وهو عاقل ولم يعرف ربه هل يكون معذورا أم لا؟ عندنا لا يكون معذورا ويجب عليه أن يستدل بأن للعالم صانعًا. من القواعد والأسس المنهجية التي يقوم عليها منهج الماتردية في تقرير العقيدة القول بالتحسين والتقبيح العقليين، وذهبت إلى أن العقل يدرك حسن الأشياء وقبحها، كما قالت المعتزلة من قبلهم إلا أنهم خالفوهم في المسائل المبنية على القول بالتحسين والتقبيح العقليين، كالقول بوجوب الصلاح والأصلح. اختلفت الماتردية فيما بينها في الجزم بحكم الله في الفعل بمجرد إدراك العقل للحسن والقبح فيه، فجمهور الماتريدية وعلى رأسهم الماتريدي يذهبون إلى أن حكم الله يجزم به في بعض الأفعال دون بعض قبل ورود السمع، كالإلهيات والنبوات، أما السمعيات والشرائع فلا تدرك إلا بالسمع. أما أئمة بخارى فذهبوا إلى أن العقل لا يقضى بما أدركه من حسن الفعل وقبحه بحكم الله فيه إلا بعد ورود الشرع، قال ابن همام: قالت الحنفية قاطبة بثبوت الحسن والقبح للفعل على الوجه الذي قالته المعتزلة، ثم اتفقوا على نفي ما بنته المعتزلة على إثبات الحسن والقبح للفعل من القول بوجوب الأصلح… ووجوب الرزق والثواب على الطاعة والعوض في إيلام الأطفال والبهائم. وقول الماتريدية بالتحسين والتقبيح العقليين راجع إلى أن العقل هو أصل المعرفة، فلذلك كان أصلًا للسمع، وكان مقدمًا عليه عند التعارض، فيتفقون في هذا مع المعتزلة، ويقابلهم الأشاعرة فإنهم ينفون الحسن والقبح العقليين، ويجعلون حسن الأشياء وقبحها راجعًا إلى الشرع لا إلى صفات قائمة بالأعيان والأفعال.

 ذهبت الماتريدية كغيرها من الفرق الكلامية بالقول بأن المجاز واقع في اللغة والقران والحديث النبوي، قال ابن همام: المجاز واقع في اللعة والقران والحديث. القول بالمجاز هو أصل منهجي يعتمد عليه الماتريدية في تقرير العقيدة وأصول الفقه، وهم يقسمون الألفاظ الدالة على معانيها إلى حقيقة ومجاز، ويقصدون بالحقيقة اللفظ المستخدم فيما وضع له، وبالمجاز اللفظ المستعمل في غير ما وضع له، فالمجاز هو قسيم الحقيقة أي بمعنى الشيء المقابل للحقيقة. المجاز بهذا الاصطلاح كان له دور كبير في عقيدة الماتريدية، حيث اعتمدوا عليه في تأويلهم للنصوص، والذي دفعهم لهذا هو اعتقادهم بأن حمل النصوص على معانيها الحقيقية يسالزم التجسيم والتشبيه. قال كمال الدين البياضي: لما لم يكن حمل تلك النصوص على معانيها الحقيقية من الجوارح الجسمانية والتحيز والانفعالات النفسانية لمنع البراهين القطعية ولم يجز إبطال الأصل لعدم درك حقيقة الوصف بلا كيفية تحمل على المجاز من الصفات بلا كيفية. وقال أيضًا: وإنما قالوا بالمجاز نفيًا لوهم التجسيم والتشبيه. قررت الماتريدية أن التأويل والتفويض أصل من الأصول المنهجية التي تقوم عليها مباديء تقرير العقيدة، وقد صرح الماتريدي بأن النصوص لا تحمل على ظواهرها، بل يجب أن تفهم على المعنى الذي يفهم ويتصور من النص وقال: إن الخطاب قد لا يوجب المراد والفهم على ظاهر المخرج ولكن على مخرج الحكمة والمعنى. قال أبو المعين النسفي: إن هذه الألفاظ الواردة في الكتاب والسنة المروية التي يوهم ظاهرها التشبيه، وكون الباري تعالى جسمًا متبعضًا متجزيًا، كانت كلها محتملة لمعان وراء الظاهر، والحجج المعقولة… غير محتملة، والعقول من أسباب المعارف وهي حجة الله تعالى، وفي حمل هذه الآيات على ظواهرها إثبات المناقضة بين الكتاب والدلائل المعقولة، وهي كلها حجج الله تعالى، ومن تناقضت حججه فهو سفيه جاهل… والله تعالى حكيم لا يجوز عليه السفه، فحمل تلك الدلائل السمعية على ظواهرها كان محالًا ممتنعًا. اختلفت الماتريدية بعد الماتريدي فمنهم من رجح التأويل، ومنهم من رجح التفويض، ومنهم من أجاز الأمرين، ومنهم من أجاز التأويل للحاجة. من الأصول المنهجية للماتريدية في تقرير العقيدة عدم الاحتجاج بأحاديث الآحاد في باب العقائد، فلا يحتجون إلا بالقران المتواتر من الأحاديث، ولا يثبتون العقيدة بالقران أو الحديث إلا إذا كان النص قطعي الدلالة، أي أنه لا يحتمل التأويل ومقبول عقلًا خاليًا من التعارض مع العقل، وقالوا بأن أحاديث الآحاد تفيد الظن ولا تفيد العلم اليقيني، وذلك لعروض الشبهة، ولعدم الأمن من وضع الأحاديث على النبي، وقالوا يؤخذ بها في الأحكام الشرعية، وذلك حيطة في الأمر وأخذًا بالجزم، وأن المتواتر لا يوجد في كل حادثة، فلو ورد خبر الواحد تعطلت الأحكام.

التوحيد:

ذهبت الماتريدية في تصورها واعتقادها لتوحيد الله إلى نحو قريب مما ذهبت إليه المعتزلة والأشاعرة. تفسير الماتريدية للتوحيد هو اعتقاد الوحدانية التي هي على ثلاثة أنواع الأول: الوحدة في الذات، ويقصدون بها انتقاء الكثرة على ذاته، بمعنى عدم قبولها الانقسام، فيقولون: هو واحد في ذاته لا قسيم له، وفسروا لفظ الأحد الوارد في النصوص القرآنية بالواحد الموجود الذي لا بعض له، ولا انقسام لذاته. الثاني: الوحدة في الصفات، والمراد بها انتفاء النظير له في كل صفة من صفاته، فيمتنع أن يكون له علوم وقدرات متكثرة بحسب المعلومات والمقدورات، بل علمه واحد ومعلوماته كثيرة، وقدرته واحدة ومقدوراته كثيرة. الثالث: الوحدة في الأفعال، والمراد بها انفراده باختراع جميع الكائنات عمومًا، وامتناع إسناد التأثير لغيره في شيء من الممكنات. وعليه يصبح مجموع قول الماتريدية في التوحيد أنه تعالى واحد في ذاته لا قسيم له أو لا جزء له، واحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له. فقولهم أن الله واحد في ذاته وواحد في صفاته قصدوا به نفي التجسيم ونفي التشبيه، ويقصد بنفي التجسيم والتشبيه نفي ما ينفى عن الجسم المطلق، وأنه لا يشار إلى شيء منه دون شيء، ولا يتميز منه شيء عن شيء بحيث لا يكون له قدر واحد، وجوانب ونهاية، ولا عين قائمة بنفسها يمكن أن يشار إليها، أو يشار إلى شيء منها دون شي. أما قولهم واحد في صفاته فيصدون توحيد الأفعال. قال الماتريدي: الله واحد لا شبيه له، دائم قائم لا ضد له ولا ند، وواحد بالتوحيد عن الأشباه والأضداد، ولذلك بطل القول فيه بالجسم والعرض إذ هما تأويلا الأشياء، وإذ ثبت ذا بطل تقدير جميع ما يضاف إليه من الخلق، ويوصف به من الصفات بما يفهم منه لو أضيف إلى الخلق ووصف به.

تقوم عقيدة الماتريدية في توحيد الربوبية على إثبات وجود الله وإثبات وحدانيته في ربوبيته. يعتقدون أن الله لا يعرف إلا من طريق العالم، والأصل أن الله إذ لا سبيل إلى العلم به إلا من طريق دلالة العالم عليه، بانقطاع وجوه الوصول إلى معرفته من طريق الحواس عليه أو شهادة السمع. والعالم هو كل ما سوى الله من الموجودات ينقسم إلى جوهر وأعراض، فالجوهر هو ماله قيام بذاته، والعرض نالا قيام له بذاته، والنتيجة أن العالم بجميع أجزائه حادث، والحادث لا بد له من محدث وهو الله. استدلت الماتريدية على إثبات وحدانية الله في ربوبيته بالدليل المشهور عند المتكلمين والمعروف بدليل التمانع، يقول النسفي: إذا ثبت أن للعالم محدثًا أحدثه وصانعًا صنعه، كان الصانع واحدًا إذ لو كان له صانعان لثبت بينهما تمانع، وذلك دليل حدوثهما أو حدوث أحدهما فإن أحدهما لو أراد أن يخلق في شخص حياة والآخر أراد أن يخلق فيه موتًا، وكذا هذا في جميع المتضادات كالحركة والسكون والاجتماع والافتراق والسواد والبياض وغير ذلك، إما أن حصل مرادهما ووجد في المحل المتضادات وهو محال، وإما أن تعطلت إرادتهما ولم تنفذ ولم يحصل في المحل لا هذا ولا ذاك وهو تعجيزهما، وإما أن نفذت إرادة أحدهما دون الآخر وفيه تعجيز من لم تنفذ إرادته والعجز من أمارات الحدث، فإذا لم يتصور إثبات صانعين قديمين للعالم فكان الصانع واحدا ضرورة. أما توحيد الألوهية فالماتريدية كغيرها من الفرق الكلامية لم تتعرض له، ولم ينتبه أحد منهم إليه.

أقرت الماتريدية في باب الأسماء والصفات بوجوب إثبات أسماء الله، وأن إثباتها لا يستلزم التشبيه، بدليل أن الرسل والكتب السماوية قد جائت بها، ولو كان في إثباتها تشبيه لكان ذلك طعن في الرسل. ذهب الجمهور إلى القول بالتوقيف في أسماء الله، أي أن طريق إثبات الأسماء هو السمع، فلا يسمى الله إلا بما سمى به نفسه وجاء به الشرع، والقول بالتوقيف هو سمة مشتركة بين الماتريدية والسلفية. لم يفرق الماتريدية في إثبات أسماء الله بين باب الإخبار عن الله وباب التسمية، فأدخلوا في أسمائه أسماء كالصانع والقديم والذات والشيء وهو وغيرها. أما الصفات فالماتريدية يثبتون بعض الصفات، ويثبتون لهذه الصفات معنى حقيقي يقوم بذات الرب، ويؤكدون على أن إثبات هذه الصفات لا يستلزم التشبيه، إذ إنه لا شبيه بين حقيقة الخالق والمخلوق، ولوكان إثبات الصفات يستلزم التشبيه للزم قدم المخلوق أو حدوث الخالق. من ناحية علاقة الصفات بالذات قالت الماتريدية أن صفات الله لا هي هو ولا غيره، إذ لو كانت الصفات عين الذات لكانت ذاتًا، ولو كانت غيرًا لزم تعدد القدماء، لأن الغيرين هما اللذان يجوز انفكاك أحدهما عن الآخر. كان أصل هذا القول لما اعترضت المعتزلة على الماتريدية عندما أثبتوا بعض الصفات، وقالوا بأن إثباتها يستلزم تعدد القدماء، إذ أن الصفات غير الذات، فقالت بنفي الغيرية دفعًا لهذا الاعتراض، وقالت بنفي ذاتية الصفات دفعًا لنفي الصفات. أما الصفات الثبوتية عند الماتريدية فهي ثمان صفات هي: القدرة والعلم والحياة والإرادة والسمع والبصر والكلام والتكوين، وقد خصوا إثبات هذه الصفات دون غيرها لأنا هي التي دل العقل عليها، وأما غيرها من الصفات فإنه لا دليل عليها من العقل عندهم لذا قالوا بنفيها.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق