دينمقال رئيس مجلس الإدارةمقالات

اكرم هلال يكتب عن “الماتريدية” الجزء الثالث

بقلم/ اكرم هلال

يعدُّ علم الكلام واحدًا من أهمّ العلوم الإسلامية التي تهتمُّ بدراسة العقائد الإسلامية، وإثبات صحة تلك العقائد بالأدلة النقلية والعقلية والذَّود عنها، وقد اختصَّ بالبداية بالإيمان العقلي بالله تعالى حتى ينتقلَ بالمسلمين من الإيمان بالتقليد إلى الإيمان اليقيني وكي يثبتَ أصول الدين بالأدلة التي تفيد اليقين بها، ومن أهمّ الفِرَق التي ظهرت بعد وفاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأدت إلى ظهور علم الكلام: المعتزلة، الجمهية، الخوارج، الإباضية، الإمامية، الأشاعرة، الماتريدية وغيرها، وهذا الجزء من المقال سيتحدث عن الماتريدية.

الماتريدية والنبوة والمعجزة:

يرى الماتريدي أن إثبات صدق الرسل والأنبياء يقوم على النظر في صفات الأنبياء الخَلقية والخُلقية قبل الرسالة وبعدها، وعلى تأييد الله لهم بالمعجزات والآيات الدالة على صدقهم. جمهور الماتريدية يرون أنه لا دليل على صدق النبي غير المعجزة، حيث أنها وحدها هي التي تفيد العلم اليقيني بثبوت نبوة النبي أو الرسل. قال أبو اليسر البزدوي الحنفي في كتابه أصول الدين: لا يتصور ثبوت الرسالة بلا دليل، فيكون الثبوت بالدلائل، وليست تلك الدلائل إلا المعجزات، فثبتت رسالة كل رسول بمعجزات ظهرت على يديه. تثبت الماتريدية كرامات الأولياء كما أنهم يثبتوت معجزات الأنبياء، ويرون أنه لا فرق بينهما إلا التحدي الذي هو دعوى الرسالة، فالمعجزة أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي مع عدم المعارضة، أما الكرامة فهي أمر خارق للعادة غير مقرون بالتحدي. يرون أنه لا تعارض ولا تضاد ولا التباس بين إثبات المعجزات وإثبات الكرامات، بل إن كرامة الولي من معجزات النبي ودليل صدقه، لأن كرامة التابع كرامة المتبوع، والولي لا يكون وليًا حتى يكون مصدقًا بالتبي ومتبعًا له. قال جرامرد الناصري: الفرق بين النبي والولي ظاهر لأن النبي يدعي المعجزة والكرامة ويتحدى بها الخلق فيقول إن آية رسالتي وثبوتي كذا وكذا والولي لا يدعي الكرامة وإنما تظهر يده من غير تحد ودعوى، ومتى ادعاها سقط من رتبة الولاية وصار فاسقًا، وكذا ذكر علماء الأصول. تشترط الماتريدية في المعجزة حتى تكون دليلًا صحيحًا على إثبات النبوة ثلاثة شروط: خرق العادة والتحدي وعدم المعارضة.

الماتريدية واليوم الآخر:

تسمي الماتريدية المسائل المتعلقة باليوم الآخر بالسمعيات، وذلك بناءً على أن هذه المسائل لا تعلم إلا بالسمع، أي أن مصدرهم في التلقي فيها هو السمع فقط، لذلك وافقوا أهل السنة والجماعة في هذا الباب. قالوا بإثبات عذاب القبر ونعيمه، قال أبو المعين النسفي: عذاب القبر للكافرين ولبعض العصاة من المؤمنين، والإنعام لأهل الطاعة في القبر، وسؤال منكر ونكير ثابت. كما قالت الماتريدية بإثبات أشراط الساعة وبثبوت البعث والنشور، وثبوت الحوض والميزان والصراط، وثبوت الشفاعة، وثبوت الجنة والنار وأنهما مخلوقان. أما رؤية الله فقد أثبتوها لدلالة السمع عليها وبجوازها في العقل، إلا أنهم قيدوها بنفي الجهة والمقابلة، وذلك لأنهم ينفون عن الله علة الذات، وقالوا: فيلزم حدوث كل جسم، فيمتنع أن يكون البارىء جسمًا لأنه قديم، ويمتنع أن يكون في جهة لأنه لا يكون في الجهة إلا جسم، فيمتنع أن يكون مقابلًا للرائي، لأن المقالبة لا تكون إلا بين جسمين. قال الماتريدي: القول في رؤية الرب عز وجل عندنا لازم وحق من غير إدراك ولا تفسير… فإن قيل كيف يرى؟ قيل بلاكيف، إذ الكيفية تكون لذي صورة، بل يرى بلا وصف قيام وقعود، واتكاء وتعلق، واتصال وانفصال، ومقابلة ومدابرة، وقصير وطويل، ونور وظلمة، وساكن ومتحرك، ومماس ومباين، وخارج وداخل، ولا معنى يأخذه الوهم أو يقدره العقل لتعاليه عن ذلك. قال أبو المعين النسفي: في العقل دليل على جواز رؤية الله تعالى، وقد ورد الدليل السمعي بإيجاب رؤية المؤمنين الله تعالى في الدار الآخرة، فيرى لا في مكان، ولا على جهة مقابلة، أو اتصال شعاع، أو ثبوت مسافة بين الرائي وبين الله تعالى، وغير ذلك من المعاني التي هي من أمارات الحدث. وعلى قول الماتريدية في رؤية الله ردت عليهم المعتزلة: من سلم أن الله ليس في جهة وادعى مع ذلك أنه يرى فقد أضحك الناس على عقله.

الماتريدية والقضاء والقدر:

تؤمن الماتريدية بمراتب القدر الأربع، والتي لا يكون العبد مؤمن حتى يؤمن بها وهي: علم الله القديم وأنه علم أعمال العباد قبل أن يعملوها. كتابة ذلك في اللوح المحفوظ. مشيئة الله العامة وقدرته الشاملة. إيجاد الله لكل المخلوقات وأنه الخالق وكل ما سواه مخلوق. قال الماتريدي: القضاء في حقيقته الحكم بالشيء والقطع على ما يليق به، وأحق أن يقطع عليه، فرجع مرة إلى خلق الأشياء، لأنه تحقيق كونها على ما هي عليه، وعلى الأولى بكل شيء أن يكون على ما خلق، إذ الذي خلق الخلق هو العليم الحكيم، والحكمة عي إصابة الحقيقة لكل شيء ووضعه موضعه. قالت الماتريدية أن أفعال العباد مخلوقة لله، وأن الله خلقها كلها خيرًا كانت أو شرًا، واستدلوا بأدلة كثيرة نقلية وعقلية. قال الماتريدي: القول المتعارف في الخلق أن لا خالق غير الله، ولا رب سواه، ولو جعلنا حدث الأفعال وخروجها من العدم إلى الوجود ثم فنائها بعد الوجود ثم خروجها على تقدير من أربابها، لجعلنا لها وصف الخلق الذي به صار الخلق خلقًا، وفي ذلك لزوم القول بخالق سواه.

كانت مسألة الاستطاعة أو القدرة من المسائل التي وقع فيها الخلاف بين الفرق الإسلامية، تبغًا للخلاف الواقع في القدر. فالذين قالوا بالجبر وهم الجهمية قالوا بنفي الاستطاعة لا مع الفعل ولا قبله وذلك لأن العبد لا اختيار له. والذين قالوا بنفي القدر وأن العبد خالق لفعله هم المعتزلة، وأثبتوا الاستطاعة قبل الفعل ونفوا أن تكون معه. والذين قالوا بالكسب وهم الأشاعرة قالوا بأن الاستطاعة تكون مع الفعل لا قبله. أما جمهور الماتريدية فقد توسطوا في المسألة، فقالوا بإثبات الاستطاعة قبل الفعل ومعه، فقالوا بأن الاستطاعة تقع على نوعين الأول: سلامة الأسباب والآلات وهي تتقدم الفعل، الثاني: الاستطاعة التي يتهيأ بها الفعل وتكون مع الفعل. قال الماتريدي: الأصل عندنا في المسمى باسم القدرة أنها على قسمين أحدهما: سلامة الأسباب وصحة الآلات وهي تتقدم الأفعال، الثاني: معنى لا يقدر على تبين حده بشيء يصار إليه سوى أنه ليس إلا للفعل، لا يجوز وجوده بحال إلا ويقع به الفعل عندما يقع معه. وقول جمهور الماتريدية في الاستطاعة هو قول أهل السنة والجماعة، قال الطحاوي: والاستطاعة التي يجب بها الفعل من نحو التوفيق الذي لا يجوز أن يوصف به المخلوق به تكون مع الفعل وأما الاستطاعة من جهة الصحة والوسع والتمكين وسلامة الآلات فهي قبل الفعل وبها يتعلق الخطاب.

أما مسألة التكليف بما لا يطاق فهي مسألة من المسائل الخلافية بين طوائف المسلمين، وذلك تبعًا للخلاف الواقع في الاستطاعة والتحسين والتقبيح، فالجهمية قالت بجواز تكليف مالا يطاق مطلقًا، والمعتزلة قالت بعدم جواز تكليف مالا يطاق، لأنه قبيح، والله منزه عن فعل القبيح فلا يجوز صدوره منه، الأشاعرة قالوا بجواز تكليف مالا يطاق به عقلًا، وإن لم يقع في الشرع، وقد أجازوه عقلًا بناء على نفيهم الحسن والقبح العقليين. أما الماتريدية فقد وافقوا المعتزلة، وقالوا بعدم جواز تكليف مالا يطاقـ لأنه فاسد عقلًا، ولعدم وجود القدرة التي هي مقتضى التكليف، قال الماتريدي: الأصل أن تكليف من منع عنه الطاقة فاسد في العقل.

الماتريدية والإيمان:

ذهب جمهور المحققين من الماتريدية إلى أن الإيمان هو التصديق بالقلب فقط، وذهب بعضهم إلى أنه التصديق بالقلب والإقرار باللسان. قال أبو المعين النسفي: الإيمان في اللغة عبارة عن التصديق فكل من صدق غيره فيما يخبره يسمى في اللغة مؤمنا به ومؤمنا له قال الله تعالى: وما أَنت بمؤمن، أي بمصدق لنا ثم إن اللغوي وهو التصديق بالقلب هو حقيقة الإيمان الواجب على العبد حقا لله تعالى وهو أن يصدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما جاء به من الله تعالى فمن أتى بهذا التصديق فهو مؤمن فيما بينه وبين الله تعالى… فمن جعله لغير التصديق فقد صرف الاسم عن المفهوم في اللغة إلى غير المفهوم وفي تجويز ذلك إبطال اللسان وتعطيل اللغة ورفع طريق الوصول إلى اللوازم الشرعية والدلائل السمعية يحققه أن ضد الإيمان هو الكفر والكفر هو التكذيب والجحود وهما يكونان بالقلب فكذا ما يضادهما إذ لا تضاد يتحقق عند تغاير المحلين والذي يدل عليه أن الله تعالى فرق بين الإيمان وبين كل عبادة بالاسم المعطوف عليه ما فرق بين العبادات بالأسماء المعطوفة المفعولة لها. فيما يخص مسألة زيادة الإيمان ونقصانه، فإم الماتريدية لما قالت بأن الإيمان هو التصديق وأن الأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان، قالوا بعدم زيادة الإيمان ونقصانه، وبنوا ذلك على أن التصديق لا يتصور فيه الزيادة والنقص. قال الحكيم السمرقندي: ينبغي أن يعلم أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، لأن من يرى الزيادة والنقصان في الإيمان فهو مبتدع، والزيادة والنقصان إنما تكون في الأفعال لا في الإيمان، ولم يقل أحد من العلماء والصالحين أن الإيمان يزيد وينقص.

في مسألة الاستثناء في الإيمان، أي تعليق الإيمان بالمشيئة. الخلاف في هذه المسألة وقع تبعًا للخلاف في حقيقة الإيمان، وحاصل الأقوال التي قيلت في الاستثناء ثلاثة أقوال، الأول: القول بوجوب الاستثناء وهو قول الكلابية. الثاني: القول بتحريمة وهو قول المرجئة والجهمية، الثالث: القول بجواز الأمرين باعتبارين وهو قول عموم مذاهب أهل السنة والجماعة. الماتريدية لما قالوا بأن الإيمان هو التصديق وأنه لا يقبل الزيادة والنقصان، منعوا الاستثناء في الإيمان، وقالوا أن الاستثناء شك، ومن شك في تصديقه فهو كافر. قال الماتريدي: الأصل عندنا قطع القول بالإيمان وبالتسمي به بالإطلاق وترك الاستثناء فيه. في مسألة الإيمان والإسلام، وقع في المسألة خلاف بين طوائف المسلمين، وذلك لكثرة ذكرهما وكثرة كلام الناس فيهما. ذهبت الماتريدية في هذه المسألة إلى أن الإسلام والإيمان شيء واحد، وأنه لا تغاير بينهما، ولا ينفك أحدهما عن الآخر، وإذا زال أحدهما زال الآخر، واستدلوا على قولهم بعدة أدلة. قال الماتريدي: أما القول عندنا في الإيمان والإسلام أنه واحد في أمر الدين في التحقيق بالمراد، وإن كان قد يختلفات في المعنى باللسان.

في حكم إيمان المقلد، كانت المسألة مسألة مختلف عليها، وكانت نتيجة لإيجاب المتكلمين النظر والاستدلال في كل مكلف. الماتريدية قالت بوجوب النظر والاستدلال، وذهب جمهورها إلى أن من آمن ولم ينظر ويستدل يكون إيمانه صحيحًا، ولكنه يأثم على تركه للنظر والاستدلال، وذهب بعضهم إلى أنه يكون مقلدًا ولا يأثم على تركه النظر والاستدلال. قال الناصري: قال الإمام سيف الحق أبو المعين المذهب أن المقلد الذي لا دليل معه مؤمن، وحكم الإسلام له لازم وهو مطيع للع تعالى باعتقاده وسائر طاعاته، وإن كان عاصيًا بترك النظر والاستدلال وحكمه حكم غيره من فساق أهل الملة. ذهبت الماتريدية إلى أن مرتكب الكبيرة غير المستحل لها لا يخرج من الإيمان ولا يدحل الكفر، بل هو مؤمن كامل الإيمان، لعدم زوال التصديق، وهو مع إيمانه فاسق مستحق للوهيد لعدم طاعته لله واقترافه للمعاصي والآثام، وقالوا إذا مات مرتكب الكبيرة من غير توبة، فهو تحت مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، وإن عذب يخرج من النار لا محالة. قال أبو المعين النسفي: وأما أهل الحق فإنهم يقولون إن من اقترف كبيرة غير مستحل لها ولا مستخف بمن نهى عنها بل لغلبة شهوة أو حمية يرجو الله أن يغفر له ويخاف أن يعذبه عليها فهذا اسمه المؤمن وبقي على ما كان عليه من الإيمان ولم يزل عنه إيمانه ولم ينتقص ولا يخرج من الإيمان إلا من الباب الذي دخله وحكمه أنه لو مات من غير توبة فلله تعالى فيه المشيئة إن شاء عفا عنه بفضله وكرمه أو ببركة ما معه من الإيمان والحسنات أو بشفاعة بعض الأخيار وإن شاء عذبه بقدر ذنبه ثم عاقبة أمره الجنة لا محالة ولا يخلد في النار.

الماتريدية والمذاهب الأخرى:

المعتزلة.

كان أبو منصور الماتريدي يولي جل تركيزه في التأليف على الرد على المعتزلة، بل إن معظم مؤلفاته في الرد عليهم، وكذا الحال بالنسبه لأتباعة ومن أتى بعده. أهم المسائل التي خالفت فيها الماتريدية المعتزلة:

مصدر التلقي: ذهبت المعتزلة إلى أن العقل هو مصدر التلقي في الاعتقاد مطلقًا، فقالوا بالقدرة المطلقة للعقل. أما الماتريدية فقد حاولوا أن يتوسطوا في منهجهم بين العقل والنقل، فجعلوا العقل هو مصدر التلقي فيما يتعلق بالإلهيات والنبوات، أما الأمور المتعلقة باليوم الآخر فجعلوا مصدر التلقي فيها السمع، ولذلك سموا هذه المسائل بالسمعيات.

الأسماء: تثبت المعتزلة أسماء الله، ولكن هي عندهم أسماء مجردة لا تدل على شيء من الصفات، وقالوا عالم بلا علم وسميع بلا سمع وبصير بلا بصر. أما الماتريدية فقد أثبتوا الأسماء، وأثبتوا دلالتها على ما أثبتوه من الصفات إلا اسم الله، فإنه لا يدل على شيء من الصفات.

الصفات: ذهبت المعتزلة إلى نفي جميع صفات الله، وقالوا أنه ليس لله صفات قائمة بذاته، وأن الصفة هي مجرد وصف الواصف، وأنها تعني نفي الضد، وليس لها معنى حقيقي ثبوتي، وأن الصفات ليست شيءًا سوى الذات. أما الماتريدية فقد قالوا بإثبات بعض الصفات، وأن لها معنى حقيقي ثبوتي وهي نمان صفات: العلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام والتكوين.

التكوين: ذهبت المعتزلة إلى أن التكوين حادث وأنه عين الكون. أما الماتريدية فذهبوا إلى أن التكوين قديم أزلي، وعو غير المكون الحادث.

القران: قالت المعتزلة أن القران كلام الله ووحيه، وهو مخلوق، وثالت الماتريدية أن القران كلام الله النفسي، وهو قديم أزلي غير مخلوق,

أفعال العباد: قالت المعتزلة أن الله غير خالق لأفعال العباد، وأنها حداثة من جهة العباد، وأنهم هم الفاعلون والمحدثون لها، ولا تعلق لها بتاتًا بقدرة الله وإرادته. أما الماتريدية فقالوا إن الأفعال مخلوقة لله وأن الله خلقها كلها خيرًا كانت أو شرًا، وهي مع كونها لله عي كسب من العباد.

الاستطاعة: قالت المعتزلة بأن الاستطاعة لا تكون إلا قبل الفعل ونفوا أن تكون معه. أما الماتريدية فقالوا بإثبات الاستطاعة قبل الفعل ومعه.

الرؤية: نفت المعتزلة رؤية الله بالأبصار في الآخرة. قالت الماتريدية بإثباتها.

الجنة والنار: قالت المعتزلة أن الجنة والنار غير محلوقتين ولا موجودتين الآن، وأن الله سوف ينشأها يوم القيامة. قالت الماتريدية أن الجنة والنار مخلوقتان الآن وأن الله خلقهما قبل خلق أهليهما.

اليوم الآخر: ذهبت المعتزلة إلى القول بنفي نعيم القبر وعذابه والميزان والصراط والحوض والشفاعة لأهل الكبائر، قالت الماتريدية بإثبات ذلك كله.

الكرامات: أنكرت المعتزلة ثبوت كرامات الأولياء. قالت الماتريدية أن كرامات الأولياء حق ثابت بالكتاب والسنة.

الإيمان: ذهبت المعتزلة إلى أن الإيمان قول واعتقاد وعمل. وذهبت الماتريدية إلى أن الإيمان هو التصديق بالقلب، وذهب بعضهم إلى أنه التصديق والإقرار.

حكم مرتكب الكبيرة: قالت المعتزلة أن مرتكب الكبيرة يخرج من الإيمان ولا يدخل الكفر، وهو في منزلة بين منزلتيين، هذا في الدنيا، أما في الآخرة فإنه يخلد في النار وأنه ليس من الحكمة العفو عنه. أما الماتريدية فقالت إن نرتكب الكبيرة لا يخرج من الإيمان ولا يدخل الكفر، بل هو مؤمن كامل الإيمان، وهو من إيمانه فاسق مستحق للوعيد، وإذا مات من غير توبة يكون تحت مشيئة الله إن شاء غفر له وإن شاء عذبه.

إيمان المقلد: ذهبت المعتزلة إلى عدم صحى إيمان المقلد، وذهبت الماتريدية إلى صحته مع الإثم على ترك الاستدلال.

زيادة الإيمان ونقصانه: ذهبت المعتزلة إلى القول بزيادة الإيمان ونقصانه، وذلك لأنهم أدخلوا الأعمال في مسنى الإيمان. أما الماتريدية فقد قالت بعدم زيادة الإيمان ونقصانه لنفيهم دخول الأعمال في مسمى الإيمان.

أما المسائل التي وافقت فيها الماتريدية المعتزلة فهي: القول بوجوب معرفة الله تعالى بالعقل. الاستدلال على وجود الله بدليل الأعراض وحدوث الأجسام. الاستدلال على وحدانية الله بدليل التمانع. القول بعدم حجية خبر الآحاد في العقائد. نفي الصفات الخبرية والاختيارية. القول بعدم إمكان سماع كلام الله. القول بالحكمة والتعليل في أفعال الله. القول بالتحسين والتقبيح العقليين. عدم جواز التكليف بما لا يطاق. منع الاستثناء في الإيمان. القول بأن معنى الإيمان والإسلام واحد.

الأشاعرة:

قام الإمامان أبو الحسن الأشعري وأبو منصور الماتريدي على تحقيق الأصول، وإبطال قواعد المخالفين من الملاحدة والمرجئة والمعتزلة، وتصديا مع تلاميذهما لنشر الكتب التي فيها إحقاق وإبطال مخالفيهم. وقع بين الأشاعرة والماتريدية بعض الاختلاف في مسائل الأصول، وهذا الاختلاف إما أن يكون معنويًا أو لفظيًا، والمعنوي إما أصلي أو فرعي. ولا نزاع بين الشيخين وأتباعهما في الأصول (أي علم التوحيد) إلا في اثنتي عشرة مسألة:

التكوين: قال الماتريدي التكوين صفة أزلية قائمة بذات الله كجميع صفاته، وهو غير المكوِّن، ويتعلق بالمكون من العالم وكل جزء منه بوقت وجوده، كما أن إرادة الله أزلية تتعلق بالمرادات بوقت وجودها، وكذا قدرته الأزلية مع مقدوراتها. قال الأشعري إنها صفة حادثة غير قائمة بذات الله، وهي من الصفات الفعلية عنده لا من الصفات الأزلية، والصفات الفعلية كلها حادثة كالتكوين والإيجاد، ويتعلق وجود العالم بخطاب كُن.

كلام الله: قال الماتريدي كلام الله ليس بمسموع، وإنما المسموع الدَّال عليه. قال الأشعري كلام الله مسموع كما هو المشهور من حكاية موسى.

الحكمة: قال الماتريدي صانع العالم موصوف بالحكمة سواء كانت الحكمة بمعنى العلم أو بمعنى الإحكام. قال الأشعري إن كانت الحكمة بمعنى العلم فهي صفة أزلية قائمة بذات الله، وإن كانت بمعنى الإحكام فهي صفة حادثة من قبيل التكوين، لا يوصف ذات الباري بها.

الطاعة: قال الماتريدي إن الله يريد بجميع الكائنات جوهرًا أو عرضًا طاعة أو معصية، إلا أن الطاعة تقع بمشيئة الله وإرادته وقضائه ومحبته وأمره، وأن المعصية تقع بمشيئة الله وإرادته وقدره لا برضائه ومحبته وأمره. قال الأشعري إن رضا الله ومحبته شامل لجميع الكائنات كإرادته.

التكليف: قال الماتريدي أن التكليف بما لا يطاق ليس بجائز، وتحميل ما لا يطاق جائز، قال الأشعري التكليف بما لا يطاق وتحميل ما لا يطاق جائز.

الأحكام: قال الماتريدي بعض الأحكام المتعلقة بالتكليف معلوم بالعقل، لأن العقل آلة يدرك بها حسن بعض الأشياء وقبحها، وبها يدرك وجوب الإيمان وشكر المنعم، وإن المعرف والموجب هو الله لكن بواسطة العقل. قال الأشعري لا يجب شيء ولا يحرم إلا بالشرع لا بالعقل، وإن كان للعقل أن يدرك حسن بعض الأشياء وقبحها، وقال: جميع الأحكام المتعلقة بالتكليف متلقاة بالسمع.

السعادة والشقاء: قال الماتريدي قد يسعد الشقي وقد يشقى السعيد. قال الأشعري لا اعتبار بالسعادة والشقاوة إلا عن الخاتمة والعاقبة.

العفو: قال الماتريدي العفو عن الكفر ليس بجائز عقلًا. قال الأشعري يجوز عقلًا لا سمعًا.

الخلود في الجنة والنار: قال الماتريدي أن خلود المؤمنين في النار وتخليد الكافرين في الجنة لا يجوز عقلًا ولا سمعًا. قال الأشعري يجوز عقلًا وأما سمعًا فلا يجوز.

الأسماء: قال بعض الماتردية أن الاسم والمسمى واحد. قال الأشعري بالتغاير بينهما وبين التسمية.

الذكورة في النبوة: قال الماتريدي الذكورة شرط في النبوة حتى لا يجوز أن يكون الأنثى نبيًا، قال الأشعري ليست الذكورة شرطًا فيها، والأنوثة لا تُنافيها.

فعل المخلوق: قال الماتريدي فعل العبد يسمى كسبًا لا خلقًا، وفعل الحق يسمى خلقًا لا كسبًا، والفعل يتناولهما. قال الأشعري الفعل عبارة عن الإيجاد حقيقة، وكسب العبد يسمى فعلًا بالمجاز.

السلفية:

ترى السلفية أنها تمثل أهل السنة والجماعة، قال ابن تيمية: فلفظ السنة يراد به من أثبت الخلفاء الثلاثة، فيدخل في ذلك جميع الطوائف إلاّ الرافضة… والمراد بالخاص ما يكون في مقابل أهل البدع والمقالات المحدثة كالشيعة والخوارج والجهمية والمعتزلة والمرجئة والأشاعرة والماتريدية وغيرهم، فهؤلاء لا يدخلون في مفهوم أهل السنة بالإطلاق الخاص. ويرون أن الماتريدية وإن كانوا يسمون أنفسهم أهل السنة، إلا أنهم لم يلتزموا بالمنهج الذي كان عليه الرسول وصحابته، بل خالفوهم في كثير من مسائل أصول الدين وفروعه، مع مخالفتهم لمنهج التلقي. وعلى هذا فإن الماتريدية من الطوائف التي في أقوالها حق وباطل ومخالفة للسنة. وليس كل من خالف منهج أهل السنة يجب أن يكون هالكًا. يقف السلفيون من الماتريدية موقفهم من سائر الطوائف، فيقولون فيهم بالعدل وينصفونهم ويعترفون بما معهم من الحق، وينكرون ما معهم من الباطل، وينزلونهم منزلتهم، ويلتمسون العذر للمجتهد أو طالب الحق منهم، ويذمون الظالم والمتعصب ومن كان متبعًا للهوى.

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق