مقال رئيس مجلس الإدارةمقالات

اكرم هلال يكتب عن ” الصوفية ” الجزء الرابع

 

بقلم/ اكرم هلال

يختلف مفهوم “التصوف” عن مفهوم “الدين”، إذ أن التصوف لا يحدّد إيماناً وممارسة ترقب حياة أخرى بعد الموت، وإنما هو يسعى إلى البحث عن تجربة إلهية تُعاش هنا على الأرض. ويتجلى التصوف تاريخياً بشكل مسارات فردية رائعة لرموز التصوف الذين أخذوا شهرتهم من أفكارهم وتداعياتهم أو عقيدتهم فى الوصول الى الله عبر مسلك قد حددوه هم حسب رؤيتهم.

ومن بين الآلاف من هذه الرموز على سبيل المثال: بعل شيمتوف (القرن الثامن عشر) بالنسبة إلى جماعات الهاسيدين الصوفية، ويوحنا المعمدان (القرن السادس عشر) في الكاثوليكية، والصوفي جلال الدين الرومي (القرن الثالث عشر). كما يمكن للتصوف أيضاً أن يثير تيارات روحية تستوحي من هذه النماذج جماعات الهاسيديم (أو الأتقياء)، الصوفية الكرملية، الأخوية المولوية, وقد لعبت هذه التيارات دوراً مهماً في تاريخ الأديان السماوية الثلاثة.

ومن هنا يمكننا أن نلاحظ ملامح مشتركة لهذه التجربة الصوفية التوحيدية، تفرّق بينها وبين الروحانيات الشرقية مثال (الهندوسية، البوذية، الطاوية) أو القديمة (الفيثاغورية، الأفلاطينية المحدثة).

وذلك لكون أن الله في الكتاب المقدس والقرآن يهتم بالبشر: يتجلى عليهم، ومن أجلهم، عبر الوحي.

ويقر المؤمنون تدخله فى شئونهم الحياتية. ويدفع الصوفي برهانات هذه العلاقة ما بين الشخص البشري والحضور الإلهي إلى حدها الأقصى. وكثيراً ما يتم التعبير عن هذا اللقاء بتعابير حب متبادل بين الإنسان والله، حسب تماثل الحب البشري.

ويستوحي التصوف اليهودي والمسيحي من نصوص من الكتاب المقدس مثل نشيد الأناشيد، أما الصوفية الإسلامية فقد عبرت عن نفسها في شعر غنائي مذهل باللغة العربية للـ (الحلاّج، 922م. أو ابن الفارض 1235م.) وبالفارسية لـ (الرومي أو العراقي، 1289م.) وبالتركية لـ (يونس عمري) فى  القرن الرابع عشر إلخ. ونلاحظ هنا تقارب الرموز في الأجواء الدينية الثلاثة: وهى (النشوة بجمال الكائن المحبوب، ترقب حضوره، حنين الانفصال)

وقد رُسمت عاقبة هذا الحب، في الأجواء الدينية الثلاثة المذكورة، في نصوص تروي تجارب إنتشائية. وتتجلى في هذه التجار”بحسب فكرهم” أحياناً الذات الإلهية:

تجلي العرش الإلهي في صوفية (الإله شار” (مركابا) في يهودية الزمن القديم المتأخر، في البعد الكوني للمسيح (هيلدغارد بنجين (القرن الثاني عشر)،. غير أنه يمكن لهذا الانخطاف أن لا يكون رؤيوّياً، وأن يظهر بشكل نشوة او افتتان صرف.

أما عن حتى ما قبل الديانات الثلاث, فاذا كان إخناتون أول الموحدين فيبدوا انه أيضاً أول المتصوفين:

نعم اذا كان إخناتون أول الموحدين فيبدوا انه أول المتصوفين أيضًا  فقد كسب «أمنحوتب الرابع»، أو «إخناتون»، شهرته بصفته المُصلح أو المهرطق الأوحد في تاريخ الديانة المصرية. فقد قاد الملك الشاب ثورة الإصلاح الديني في الأسرة الثامنة عشرة لتوحيد شعبه حول عبادة إله واحد فقط، «آتون»، في خِضَمِّ تأمُّلاته الفكرية والروحية، التي كانت غريبة على كهنة الإله «آمون» بمركز القيادة في طِيبة عاصمة مصر القديمة.

ويذكر الباحث «ياروسلاف تشيرني» في كتابه «الديانة المصرية القديمة» أن مبادرة إخناتون الروحية استهدفت تشييد ديانة شعبية تحظى بقبول كل شعوب الإمبراطورية، وذلك بتجريدها من الملامح المصرية البحتة، وكان دافعه في ذلك حماسه الديني النقي.

وبالفعل رسم إخناتون شكل عبادته الجديدة بعدما انتقل إلى عاصمته الجديدة «أخيتاتون»، وموقعها الحالي منطقة «تل العمارنة» في محافظة المنيا جنوبي مصر، آليًا على نفسه أن لا يغادرها مرة أخرى، فكانت ملاذًا لتأملاته الروحية وعبادته الزاهدة في كل شيء، دون أن يبذل أي جهد أو يهتم بما يحدث للممتلكات المصرية في سوريا وفلسطين، التي كانت على حافة الانهيار تحت ضغط الهجمات التي لا تتوقف من الأعداء.

كما طالت ثقافة إخناتون الاحتفال بأعياد أخرى غير تلك التقليدية السنوية عند الآلهة حينذاك، فنظَّم احتفالًا غريبًا بالعيد الثلاثيني، أو عيد «السَّد»، ويقول تشيرني إن طبيعة العيد لا تزال غامضة بالنسبة إلى علماء المصريات حتى الآن.

انتهت ديانة إخناتون بمجرد وفاته بعد حكم استمر 17 عامًا، فتحول خليفته توت عنخ آمون إلى الديانة القديمة، كما عاد إلى العاصمة الأصلية طِيبة حيث دُفن، وأطلق الكهنة على عهده الملكي «سنوات الخارج».

كثيرون تحدَّثوا عن بدايات التصوف عند قدماء المصريين، ويشير الدكتور “مصطفى محمود” في مذكراته إلى تأثير تصوف المصريين القدماء في معتقداته، فيقول:

«كنت أبحث لأنني أريد أن أكتشف الجديد، وحتى في هذا الجانب وجدت أن قدماء المصريين عرفوا التصوف والإيمان والتفاني فيه وله ومن أجله».

 

أناشيد إخناتون: إرهاصات الفكر الصوفي عند الفراعنة:

يصل التوحيد الذي دعا إليه “إخناتون” إلى ذروة النقاء والتجريد، إذ وجد “مصطفى محمود” أن المصريين القدماء كانوا يتضرعون إلى الإله بالقول:

«يا آتون الحي، يا بدء الحياة، إنك بعيدٌ متعالٍ، ولكنك تُشرق على وجوه الناس، تمنح الحياة للجنين في بطن أمه، وتُعنَى به طفلًا، وتسكِّن روعه فلا يبكي، وتفتح فمه وتعلِّمه الكلام، وتدبِّر له ما يحتاج إليه في حياته، وتعلِّم الفرخ كيف يثقب بيضته ويخرج، وما أكثر مخلوقاتك».

«يا واحد يا أحد ولا شبيه لك، خلقت الأرض حسبما تهوَى، خلقتها وحدك لا شريك لك، وخلقت ما عليها من إنسان وحيوان، ودبَّرت لكل مخلوق حاجاته، وقدَّرت له أيامه المعدودة، وجعلت الناس أُممًا وقبائل ولغات متعددة، وجعلت لهم الشتاء ليتعرَّفوا بردك، والصيف ليذوقوا حرارتك، وصوَّرتهم في بطون أمهاتهم بالصور التي تشاء، وأنزلت لهم الماء من السماء، ليجري أمواجًا تتدافع وتروي حقولهم، ما أعظم تدبيرك يا سيد الأبدية».

«إنك في قلبي، وليس هناك من يعرفك غير ابنك الذي وُلد من صلبك، ملك مصر العليا والسُّفلَى، الذي يحيا في الحق، سيد الأرضِين، إخناتون».

كما يؤمن “عمرو فكري”، وهو باحث في أصول الصوفية ومؤلف كتاب «قدس الأقداس»، بوجود ما يُسَمَّى «التصوف الفرعوني البدائي»، وهو ما يتجلى في عديد من المشاهد التي كوَّنت لديه هذه الصورة.

ويشير فكري، في حديثه مع «منشور»، إلى أن إخناتون هو أحد أقوى النماذج الدالة على إرهاصات الفكر الصوفي، بسعيه إلى تدشين حياة أخرى زاهدة تمامًا في علاقته مع الإله آتون، الذي رمز إليه بقرص الشمس، وتمرُّده على الآلهة الأخرى التي عبدتها الشعوب حينها، لذا اعتبره علماء المصريات ملحدًا، واتهمه بعضهم بـ«الشذوذ الجنسي» بسبب هيئة تماثيله داخل القصر الذي شيده في «تل العمارنة».

لا يُبرز علماء المصريات والأثريون عمومًا الجانب الروحاني في علاقة الآلهة والمراسيم باعتبارها مجرد توثيق، لذا لا يتحدثون كثيرون عن الزهد وامتدادات الصوفية عند المصريين القدامى، بحسب فكري.

تقول مديرة مركز بحوث وصيانة الآثار في مصر، الدكتورة سامية الميرغني، إن إخناتون يُعَدُّ المثال الحقيقي على التوحيد، بعد استقلاله عن كهنة آمون في عاصمة الحكم طِيبة وبناء قصرٍ له في «تل العمارنة»، بسبب سيطرة كهنة آمون على المال ونفوذ السُّلطة في طِيبة.

توضح الميرغني لـ«منشور» أن زهد إخناتون تَجَلَّى في أناشيده التي ناجى فيها ربه، وهي الأناشيد التي أخذت منها اليهودية في مزامير داوود.

لم يتخلَّ إخناتون عن جميع مظاهر بذخه كملك، لكنه تَخلَّى عن فتوحاته وأهمل شؤون حكم الأسرة من أجل التعبُّد في «تل العمارنة».

وَفقًا لسامية الميرغني، لم يتقشف المصريون القدماء تمامًا أو يتفرغوا للعبادة، كما يفعل أنصار الطرق الصوفية في الوقت الحالي، بل على العكس كانوا يستمتعون بوسائل الترف والمتعة وقتما حضرَت في غير مواعيد العمل النهارية، بجانب اتِّباع القيم الجميلة والمثالية.

يدلل “عمرو فكري” بمشاهدات أخرى تشير إلى التصوف الفرعوني، مثل «حلقات الذكر التي انخرط فيها القدماء داخل المعابد، والتي تتشابه كثيرًا مع مظاهر احتفالات الصوفيين الآن»، كما يلفت إلى أن أقوال الآلهة والحكام الذين ارتبطت ألقابهم بالحكمة، مثل تحوت، إله الحكمة والمعرفة عند قدماء المصريين، والتي وردت في كتاب «مُتون هِرمس»، تدل على التأملات الفكرية في شكل الإله والحِكَم المأخوذة عنه.

حُكم «تحوت» العظيم: النور والشمس والسماء:

حمل «تحوت» عديدًا من الألقاب، منها «إله الحكمة والمعرفة والسحر»، للعبه أدورًا في الصراعات بين أنظمة الخير والشر في مصر القديمة، وليس من الصعب العثور على نصوص له يناجي فيها الإله بلُغةٍ مليئة بالحكمة، مستخدمًا رموزًا مثل النور والشمس والسماء:

«إنه النور الذي يسطع بداخلك، هو نور الخالق الذي أبدع منه الكون، فهو يسكن روحك التي تطوف بعقلك، هو قدس معبدك، ومعبدك هو أنت. أنت من يقدِّس الخالق العظيم بتأمُّل كونه البديع، والكون هو بوابة الشمس للعلوم المقدَّسة، التي تجعل عقلك معبدًا للروح، والروح معبدًا للخالق. فيك يتجلَّى الكون ببهائه».

«الروح لا تعرف ذكرًا وأنثى، بل الأَبْدان هي التي تعرف، فإذا كان بدنُك زائلًا ورُوحُك سرمدية تعود من الظلام لتشرق مرة أخرى مثل رَعْ في السماء، فإن رَعْ يقدِّس الخالق بدورته السرمدية، كذلك روحك تدور في رحلتها وتعود إلى مكانها الطبيعي بجوار خالقها».

يرى فكري أن نصوص «تحوت» شبيهة إلى حدٍّ ما بالخطاب الصوفي، الذي يمدح الخالق ويعدِّد أشكال وجوده في الرزق والإيمان والعبادة.

أفلوطين: إمام التصوف في العصر الروماني:

وكما أثرت مصر فى شكل العقائد السماوية من طقوس معينة فى اليهودية والمسيحية والإسلام , فقد أثرت أيضاً فى مضامين تلك الأديان ففى اليهودية نجد سفر “الأمثال” المنسوب لسليمان الحكيم هو فى الأصل مأخوذ عن الحكيم المصرى “أمنموبى”, وأيضاً مزامير النبى داوود تتشابه إلى حد كبير مع أناشيد “إخناتون”, أما فى المسيحية فأدخلت عليها مصر الرهبنة وغير ذلك من تأثير.

أما بالنسبة للإسلام فبعيداً عن أن ألفاظ ( نبى – دين – وضوء – ماعون – صوم – حج – …. إلخ) كلها مصرية فقد أدخلت مصر التصوف وهو الفكر الفلسفى إلى الإسلام وذلك إستناداً لشروحات وأفكار واحد من أعظم الفلاسفة المصريين وهو “أفلوطين” الصعيدى.

“أفلوطين” هو فيلسوف اللاهوت المصرى الصعيدى ولد عام 205 م فى مدينة ليقوبوليس / ليكوبوليس وهى المنيا, وخرج منها وإستقر فى الإسكندرية للتعلم لمدة 10 سنوات, وقضى أفلوطين سنوات حياته الأخيرة في التدريس بروما, وهو مؤسس الأفلوطينة الحديثة وهى نقد وتعديل لفكر أفلاطون اليونانى, ويُعد “أفلوطين” آخر مَن إتبع ديانة قدماء المصريين التوحيدية, وله نظريات عدة فى تأمل الوجود والخلق ونشأة الكون ومآلات كل ذلك وفى الخير والشر, وإنتشر بعضها فى القرن الثالث وما بعده إنتشاراً مماثلاً لإنتشار نظرية (الانتخاب الطبيعى / الترقى والنشوء) لداروين, وكان من أشهرها (وحدة الوجود – الصدور أو الفيض), والذى أثرتا كثيراً فى نشأة التصوف حيث كان يقول:

الواحد (الله) مصدر كل الحقيقة والخير والجمال, وإليه تؤول كل الموجودات. وأيضاً قال: أن كل ما هو مادى ملموس ما هو إلا صورة مزيفة لما هو موجود فى مكان الوجود الأصلى, وأن هيئة الإنسان ذاتها لا تخرج على هذه القاعدة.

ومن مواقف “أفلوطين” أنه كان يكره التدوين وأيضاً كان يرفض التصوير أو أن يُصنع له تمثالاً, وهذا إتساقاً مع فكره السامى والمترفع عن متاع الحياة, فقد كانت حياته مثالاً حياً على الزُهد والتقشف لتطهير الروح, فقد كان لا يبيح لنفسه الطعام إلا ما يبقيه حياً وكان يصوم يوماً بعد يوم, ولولا وجود تلميذه النجيب “فرفوريوس” لما وصلنا شيئاً من علمه ..

حيث أنه إهتم بمحاضراته وتدوينها وترتيبها بشكل شخصى, وجمع لنا 54 مقالة وقسمهم إلى 6 مجموعات كل مجموعة مكونة من 9 محاضرات / مقالات ولهذا تـُسمى كتابات “أفلوطين” بالتاسوعات / التسعات أو أثولوجيا أى الربوبية.

أما أثر “أفلوطين” المباشر على علماء المسلمين فنجد أن كلً من إبن سينا وابن الفارض وابو حامد الغزالى تأثروا بفكره, وتذكر د. نعمات أحمد فؤاد, أن محيى الدين بن عربى، المتصوف الأندلسى، قد تأثر بأفلوطين تأثراً بعيد المدى، بل وأكثر من ذلك, فوصل القول الى أن (رسالة فى العلم الالهى للفرابى) ما هى إلا إستخلاصات متنوعة من التساع الخامس لأفلوطين, ولكن أخطر تأثير لأفلوطين فى الإسلام هو إعتبار بعض أراءه وأقواله من الأحاديث القدسية, فقد إختلط الأمر على الأسلاميين وأدرجوا بعضاً من تصوراته ضمن هذه الأحاديث وأنطقوا الرسول محمد(صلى الله عليه وسلم) بها, ومن أمثلة ذلك:

(أول ما خلق الله العقل .. قال له أقبل فأقبل . ثم قال له أدبر فأدبر .. ثم قال له وعزتى وجلالى ما خلقت خلقاً أكرم علىَّ منك .. بك آخذ وبك أعطى وبك أنيب وبك أعاقب) وحديثا آخر يقول ( كنت نبياً وآدم بين الطين والماء).وهى ليست بأحاديث قدسية ولا نبوية ولا يوجد تأصيل لان تكون قد قيلت أصلاً بعد الإسلام.

ومن أبرز المتأثرين بأفلوطين على المستوى الرفيع هى عالمة الرياضيات والفيلسوفة المصرية “هيباتيا”, والتى راحت ضحية الجهل والتعصب, فقد لاقت مصيراً شنيعاً حيث تم التحريض من الكنيسة (البابا كيرولس الأول) ضدها ونفذ المهمة مجموعة من الحمقى وقتلوها حرقاً بعد أن سلخوا جلدها وسحلها عارية فى شوارع الإسكندرية.

ويقول الدكتور زكي نجيب محمود إن حياة أفلوطين الشخصية بُنيت على الزهد والتقشف من أجل تطهير الروح، ولم يكن يبيح لنفسه من الطعام إلا ما يقيم أَوْدَه، وكان يصوم يومًا بعد يوم.

أما عباس محمود العقاد أيضاً فقد تحدث عن أفلوطين، فقال إنه «آخر فيلسوف يُحسَب من صميم الصوفية، أو يقال بغير جدال إنه إمام التصوف».

بتوزيريس

ومن متصوفي مصر القديمة كذلك حكيم آخر هو «بتوزيريس»، الذي انتمى إلى الأسرة الثلاثين آخر الأسر الفرعونية، وشغل منصب كبير كهنة الأشمونيين في صعيد مصر، ويؤرَّخ عن حياته بأنها كانت كلها في سبيل التقوى، ومثالًا صالحًا لمن يحبون الطُّهر.

نذور «أوزوريس» إله الخضرة والعالَم الآخر:

تحولت أبيدوس، مهد مقابر الفراعنة الأوائل، إلى بقعة حَجّ. يشير ياروسلاف تشيرني إلى مشهد آخر من الملامح الدالة على وجود صلة بين أفعال المتصوفين المصريين وأسلافهم في الحضارات القديمة، هو مواكب حَجِّ المصريين إلى معبد «أبيدوس»، الواقع حاليًّا في محافظة سوهاج، حيث قبر «أوزوريس» إله الخضرة والعالَم الآخر عند المصريين القدماء، الذي انتشرت عقيدته بشكل لا يقاوَم في كل البلاد، فكان المصريون حينذاك يؤمنون بآلهة الموت وقدرتهم على النجاة بأقدارهم في الحياة الأخرى.

كانت الطقوس السائدة أن يقدِّم الناس القرابين (أطعمة أو حيوانات) إلى الآلهة للتقرُّب منها، فيخاطبون أوزوريس باعتباره حاكمًا لأرواح الموتى. وتحولت المدينة، التي تُعَدُّ مهد مقابر الفراعنة الأوائل، إلى بقعة حَجّ، فقد كان المصريون يأتون إليها من كل أنحاء البلاد.

مما يوضح ان هناك رابطًا واضحًا بين النذور الحالية التي يقدمها أنصار الطرق الصوفية إلى «الأولياء الصالحين»، وتلك التي باشرها أتباع “أوزوريس” في نهاية حكم الأسرة السادسة، فأتباع أوزوريس بنَوا معتقداتهم على وجود جسد الإله أو رأسه في القبر على أقل تقدير، وظنوا أن تعويذات حاكم القبور تضمن حمايتهم من الجوع والعطش في العالم الآخر، كما اعتقدوا في قدرته على تقمُّص مختلف الأشكال الحيوانية، والخروج إلى النهار من ظُلمة المقبرة، وهو ما نجد اعتقادات مشابهة له عند الصوفيين الآن.

كان أنصار أوزوريس يحتفلون بذكرى ميلاده سنويًّا بالنذور والقرابين كنوع من التبرُّك به، وهي العادات السارية حاليًا، كما يفعل الصوفيون بإعداد موائد الطعام في الموالد السنوية.

التصوف اليهودي والمسيحي والإسلامي:

جرى في الأديان الثلاثة المعنية عرض هذه التجارب وتفسيرها في مذاهب أكثر منهجية، كما هو الأمر مثلاً مع تجارب أبو ليفة (القرن الثالث عشر)، ويوحنا المعمدان، وابن عربي (1241م). يمكن لهذه المذاهب أن تميل نحو اتجاه يقول بوحدة الوجود. “الله هو الحقيقة الوحيدة المطلقة”، والروح الإنسانية هي انبعاث إلهي. كما يمكن لها أيضاً أن تحتفظ بمعنى شخصاني، معنى وحدة عشق متقطع تمنحه نعمة الخالق.

فالله يبقى مفارقاً فائق السمو بالنسبة إلى الإنسان. ولكن مهما يكن فإن الهدف النهائي للجهد التصوفي هو الوصول إلى حالة الطهارة والقداسة، إلى التعاون الشامل ما بين بشرية وفعل إلهي، وإعادة ترميم الانسجام الذي كانت قد هدمته خطيئة آدم. فالقديس حلم صار “ناجزاً”،  أي صار إنسانياً تماماً. وبفضل حضورها على الأرض، يمكن للبشرية المذنبة أن تكون.

من المؤكد أن التجربة الصوفية ليست تجربة الكثيرين. ففي المسيحية هي شأن الرهبان، أو العلمانيين المعزولين. لكن في الإسلام واليهودية كثيراً ما مثّل التصوف قوة اجتماعية.

وهناك الآلاف، بل مئات الآلاف بل الملايين من البشر المؤمنين  أعلنوا الولاء لمرشدين روحيين، وأولوهم ثقة مطلقة، بانتظار أن تتدفق بركاتهم عليهم. وكثيراً ما ارتابت السلطات الدينية، وكذلك علماء الدين، من العلاقة المباشرة بينهم وبين “مرشديهم” ان صح التعبير. ولكن على الرغم من بعض العقوبات المذهلة مثال صلب الـ الحلاّج وقُطع رأسه في بغداد العام 922، أو مارغريت بوريتي التى أحرقت وهي حية في باريس عام 1310)، جرى التقيد بما كانت عليه الأوضاع.

فالصوفيون ليسوا معارضين، بل إنهم عبّروا في معظم الأحيان عن احترام مطلق للدين السائد (اليهودية الحاخامية، الكنيسة، سنة الشريعة)

هذا مع العلم بأن التيارات الصوفية كشفت عن اختلافات عميقة في ما بينها تعود إلى اختلافات المراجع الدينية. ففي اليهودية، كما في الإسلام، يحتل الكتاب المُنزّل مكانة مركزية. فعبر الكتاب (التوراة، القرآن) والكلمة، عرّف الله بنفسه. وصارت الكتب، ومعها اللغات التي تحملها، ليس فقط وسائل معرفة، وإنما أيضاً إشعاعات فعّالة توجهها القوة الربانية، وسبل الالتقاء بالرب. وبهذا المعنى فإن القبلانية اليهودية تقدم نفسها على أنها صوفية الكلمة. وتشهد على ذلك كتب القبالة الكبرى مثل “سفريتسرا” أو “زوهار، وتعاليم إسحق لوريا (القرن السادس عشر).

كما ظهرت في الإسلام تيارات مشابهة بلغت أوجها في أعمال ابن عربي الهائلة، القائمة على فكرة “أن دفعاً كونياً للكلمة” الهام رباني خلق كافة العوالم. ولكن هنا أيضاً، فإذا كان ثمة تقارب، فإننا لا نجد هوية، فالدور الجماعي للشعب اليهودي كناقل للكلمة الربانية لا مثيل له في الصوفية. الإسلام هو دين الخلاص الفردي، وبالتالي لا يعبّر عن الانشغال بالخلاص الكوني، كما هو الأمر في التصوف اليهودي أو الروحانية المسيحية.

وعلى النقيض من أديان “الكتاب” هذه، فإن الدين المسيحي القائم على ظهور الله بصورة يسوع الإنسان، أوجد تصوفاً تتواجد فيه الوساطة اليسوعية باستمرار. ومن هنا ننتقل الى نوع اخر من التصوف وتحديدا فى مصرالقبطية,

التصوف القبطي:

لم يتوقف إرث قدماء المصريين عند تأسيس التصوف كفكر روحاني قائم على مناجاة الآلهة والزهد في الحياة، بل تطوَّر ليشمل الرهبنة، التي تحمل المعنى نفسه الذي تَعلَّمه آباء الرهبنة المصرية على يد السيد المسيح، إذ تشير بعض الأبحاث التاريخية إلى أن النظام الرهباني ظهر في مصر القديمة لأول مرة وتطور بها، ثم صدَّرته مصر إلى العالَم المسيحي.

يمكن القول إن المصريين القدماء وضعوا اللبنة الأولى لشكل العلاقة بين الإنسان وربه.

تأسست الرهبنة القبطية في القرن الثالث الميلادي على يد المعتكف الصعيدى الأنبا أنطونيوس، الملقب بـ«أبو الرهبنة»، الذي جمع الفلاحين للاعتكاف في الأديرة للهروب من الاضطهاد الروماني الذي تَعرَّض له المسيحيون في مصر.

فحتى وان كان الأنبا أنطونيوس لم يكن الراهب الأول، لكنه أسَّس أول نوع من الرهبنة التنظيمية والتلمذيَّة.

تقنين الصوفية:

وبالرغم أيضاً من التاريخ الطويل للصوفية الا أنها لم تأخذ شكل التقنين، إلا في عهد محمد على باشا، حيث إنه يعد أول حاكم مصرى قنّن وضع الصوفية.

وتطورت التنظيمات الإدارية للطرق الصوفية في مصر منذ القرن 19 الميلادي أو ما قبله بقليل، فأصبح للطرق الصوفية مشيخة عامة تمثل كافة الطرق الصوفية وتتحدث باسمهم.

حيث لكل طريقة شيخ يمثل أعلى سلطة روحية إدارية فيها، ولكل شيخ خلفاء في القرى ونواب في المراكز والمديريات، ولكل خليفة مريدون، والشيخ يدير أمر الخلفاء، والخليفة أمر المريدين من حيث إرشادهم ومراقبتهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر.

إذن لا يمكن تحديد ثمة شكلاً يهودياً، أو مسيحياً أو إسلامياً للتجربة الصوفية، وإنما هناك أشكال متعددة، وكل تعميم يقع في خطأ كبير. أشرنا إلى التعارض بين الاتجاهات القائلة بوحدة الوجود وتلك القائلة بالشخصانية، بين الورع الرؤيوي وبين التعقلية، بين التصوف الإفتتاني والتصوف “المعتدل”. يمكننا أن نعتبر أن كل تجربة صوفية هي تجربة فريدة، وأن نتذكر أنها في النهاية لا توصف ويتضح بالتالي أن ثمة مجازفة كبرى في التأكيد على أن “كل المتصوفين قالوا الشيء نفسه”. فالمتصوفة، في الأصل، لا يقولون “شيئاً”، وإنما هم يحاولون نقل تجربة تبدل الكائن البشري. وهذه تجربة فريدة من نوعها تماماً، ولا يمكن تحديداً أن تعبّر بكلمات عادية. تتطلب دراسة تعاليم المتصوفة بعناية ودقة وبتواضع بفهم كلماتهم، مع الاهتمام بفهم ما الذى تريد ترجمته، على الأقل جزئياً.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق