دينمقالاتمن التاريخ

اكرم هلال يكتب عن الامام “أبو داود” الجزء الثانى

بقلم أ اكرم هلال 

فقهه الامام أبو داود ومذهبه:

ذُكر في عدة مصادر أن أبا داود كان حنبلي المذهب، فقد عده أبو إسحاق الشيرازي في طبقات الفقهاء من جملة أصحاب أحمد بن حنبل، كما ذكره ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة، وقد أكثر أبو داود النقل عن أحمد بن حنبل، قال ابن أبي يعلى: «ونقل عَنْ إمامنا أشياء.»، ثم أخذ يسرد ما رواه أبو داود عن ابن حنبل، كما ألف كتابًا في الفقه على مذهب أحمد بن حنبل، ورتبه حسب أبواب الفقه، وهو كتاب “مسائل الإمام أحمد”. قال الذهبي: «كان أبو داود مع إمامته في الحديث وفنونه من كبار الفقهاء، فكتابه يدل على ذلك، وهو من نجباء أصحاب الإمام أحمد، لازم مجلسه مدة، وسأله عن دقاق المسائل في الفروع والأصول، وكان على مذهب السلف في اتباع السنة والتسليم لها، وترك الخوض في مضائق الكلام.»

جمعه لكتاب السنن:

ألّفَ أبو داودَ السننَ مبكرًا في بداية عمره، حيث ذكر أنه عرضه على الإمام أحمد بن حنبل فاستحسنه واستجاده، لذلك رجح العلماء أنه ألفه قبل سنة 241 هـ أي قبل وفاة أحمد بن حنبل، كما يُرجح أنه ألفه بطرطوس وظل يؤلفه مدة طويلة؛ حيث يقول: «أقمت بِطَرْسُوس عشرين سنة، واجتهدت في المسند فإذا هو أربعة آلاف حديث». وقد راجع أبو داود السنن مرات عدة، فيقول أبو علي محمد بن أحمد اللؤلؤي عن أحد الأحاديث: «هَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يَقْرَأْهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْعَرْضَةِ الرَّابِعَةِ.»، مما يعني أنه كان يراجعه ويُنقِص منه الأحاديث التي لا يراها صالحة للاعتبار، كما كان يقرأه دائمًا على تلاميذه ويذيعه بين الناس، فيقول علي بن الحسن بن العبد: «سمعت كتاب السنن من أبي داود ست مرار بقيت من المرة السادسة بقية»، وظل يقرأه على تلاميذه حتى وفاته. لذلك كَثُرَ الرواة لسنن أبي داود، حتى قال ابن كثير: «الروايات عند أبي داود بكتابه السنن كثيرة جدًا، ويوجد في بعضها من الكلام بل والأحاديث ما ليس في الأخرى.»

ذكر أبو داود أنه جمع في سننه حوالي 5300 حديثًا، اهتم أبو داود بأحاديث الأحكام التي استدل بها الفقهاء، وبنى عليها علماءُ الأمصار الأحكامَ الفقهية، حيث قال في رسالته لأهل مكة: «فهذه الأحاديث أحاديث السنن كلها في الأحكام، فأما أحاديث كثيرة في الزهد والفضائل، وغيرها من غير هذا فلم أخرجها.»، وقد قسّم كتابه إلى 36 كتابًا، وقسّم كل كتاب إلى أبواب وعددها 1871 بابًا، وترجم على كل حديث بما قد استنبط منه العلماء. ويحتوي الكتاب على الأحاديث المرفوعة إلى النبي محمد، وكذلك الأحاديث الموقوفة على الصحابة، والآثار المنسوبة إلى علماء التابعين.

وفاته الامام أبو داود:

توفى أبو داود يوم الجمعة 16 شوال سنة 275 هـ بالبصرة, عن (73 سنة) ودفن بجوار قبر سفيان الثوري.

قال أبو عبيد الآجري: «مات لأربع عشرة بقين من شوال سنة خمس وسبعين ومائتين»، وأوصى أن يغسله الحسن بن المثنى، فإن لم يكن الحسن فلينظروا في كتاب سليمان بن حرب عن حماد بن زيد في الغسل فيعملوا به، ودفن بجانب قبر سفيان الثوري.

منهج الامام أبو داود في الحديث:

يشترط أبو داود في الحديث أن يكون صالحًا للاعتبار والاحتجاج به، ويترك ما هو شديد الوهن، ولا يروي عن من اجتُمِعَ على تركه حديثه من الرجال، حيث قال: «ذكرت الصحيح وما يشبهه ويقاربه، وما كان فيه وهن شديد بينته، وما لم أذكر فيه شيئا فهو صالح، وبعضها أصح من بعض»، قال ابن الصلاح: «وروي عنه أنه يذكر في كل باب أصح ما عرفه فيه.» وروى المنذري وابن الصلاح وغيرهما ذكروا أن محمد بن إسحاق بن منده حكى أن شرط أبي داود والنسائي إخراج حديث أقوام لم يجتمع على تركهم، ويحكون عن أبي داود أنه قال: «ما ذكرت في كتابي حديثًا اجتمع الناس على تركه».

أما بالنسبة لتخريج الأحاديث، فقد كان ينبّه على الأحاديث شديدة الوهن، أمّا الأحاديث الصحيحة والحسنة فيسكت عنها، حيث قال: «ذكرت فيه الصحيح وما يشابهه ويقاربه، وما كان فيه وهن شديد بينته، وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح، وبعضها أصح من بعض.»، واختلف علماء الحديث في الأحاديث المسكوت عنها، فيرى ابن الصلاح ويحيى بن شرف النووي وابن كثير الدمشقي أنها حسنة إن لم تكن في الصحيحين، ويرى آخرون أنها متنوعة بين صحيح وحسن، ومنها ضعيف صالح للاعتبار. ويلخص الألباني أقوال علماء الحديث فيما سكت عنه أبو داود فيقول:

أبو داود     اشتهر عن أبي داود أنه قال في حق كتابه السنن: “ما كان في كتابي هذا من حديث فيه وهن شديد بينته ومالم أذكر فيه شيئًا فهو صالح”. فاختلف العلماء في فهم مراده من قوله: “صالح” فذهب بعضهم إلى أنه أراد أنه حسن يحتج به. وذهب آخرون إلى أنه أراد ما هو أعم من ذلك فيشمل ما يحتج به وما يستشد به وهو الضعيف الذي لم يشتد ضعفه وهذا هو الصواب بقرينة قوله: “وما فيه وهن شديد بينته” فإنه يدل بمفهومه على أن ما كان فيه وهن غير شديد لا يبينه. فدل على أنه ليس كل ما سكت عليه حسنًا، عنده ويشهد لهذا وجود أحاديث كثيرة عنده لا يشك عالم في ضعفها وهي ممن سكت أبو داود عليها حتى إن النووي يقول في بعضها: وإنما لم يصرح أبو داود بضعفه لأنه ظاهر.         أبو داود

أخلاق الامام أبو داود:

كان يوصف أبي داود بورعه، وعدم محابة أحدًا على حساب ما يراه أنه الحق، ومما يُروى في ذلك أنه: «جاءه الأمير أبو أحمد الموفق ولي العهد فدخل، ثم أقبل عليه أبو داود، فقال: ما جاء بالأمير في مثل هذا الوقت؟ قال: خلال ثلاث. قال: وما هي؟ قال: «تنتقل إلى البصرة فتتخذها وطنًا، ليرحل إليك طلبة العلم، فتعمر بك، فإنها قد خربت، وانقطع عنها الناس، لما جرى عليها من محنة الزنج»، فقال: «هذه واحدة»، قال: «وتروي لأولادي السنن»، قال: «نعم، هات الثالثة.» قال: «وتفرد لهم مجلسًا، فإن أولاد الخلفاء لا يقعدون مع العامة»، قال: أما هذه فلا سبيل إليها، لأن الناس في العلم سواء.»، كما رُوى عنه قوله عن ابنه عبد الله أنه كذّاب لا يُأخذ منه الحديث، قال على بن الحسين بن الجنيد: «سمعت أبا داود يقول ابني عبد الله كذاب». كما كان يوصف بالورع والصلاح، فيقول ابن ياسين الهروي عنه: «في أعلى درجة النسك والعفاف والصلاح والورع».

مكانته عند العلماء:

والإمام أبو داود عالم جليل القدر وضعه الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في طبقات الفقهاء من جملة أصحاب الإمام أحمد بن حنبل.

وقال عنه أبو بكر الخلال أبو داود هو الإمام المقدم في زمانه، رجل لم يسبقه إلى معرفة تخريج العلوم وبصره بمواضعها أحد في أهل زمانه وشهد له بالتقوى والورع.

وقال إبراهيم الخربي ألين لأبي داود الحديث كما ألين لداود عليه السلام الحديد.

وقال العلماء: هو أحد حفاظ الحديث وفرسانه، وعلله وسنده وكان في أعلى درجات النسك والورع والعفاف.

ويقول عنه د. أحمد عمر هاشم أستاذ الحديث في جامعة الأزهر: أخذ نفسه بالورع والعبادة حتى كان في الدرجة العالية من النسك والصلاح وحظي تاريخ الإمام أبي داود بالثناء العطر من العلماء والتقدير الكامل لما كان عليه من الورع والتقوى والحفظ التام والفهم الثاقب في الحديث.

وعلى مدار حياته حافظ أبو داود على كرامة العلم والعلماء ورفض عقد مجلس علم لأبناء الأمراء وقال إن مجالس العلم مفتوحة للجميع لا فضل فيها لكبير على صغير أو لغني على فقير.

نعم حظى الأمام أبي داود غلى مكانة عالية عند أقرانه وتلاميذه ومن جاء بعده من علماء المسلمين،

كما تحدث العلماء عن فضله، خاصة لشهرة كتابه السنن، فمن أقوال العلماء فيه:

قال موسى بن هارون: «خلق أبو داود في الدنيا للحديث، وفي الآخرة للجنة، ما رأيت أفضل منه.»

وقال أبو حاتم بن حيان: «كان أحد أئمة الدنيا فقهًا وعلمًا وحفظًا ونسكًا وورعًا وإتقانًا، جمع وصنف وذبّ عن السنن.»

وقال ابن منده: «الذين أخرجوا وميزوا الثابت من المعلول والخطأ من الصواب أربعة: البخاري ومسلم، وبعدهما أبو داود والنسائي.»

وقال الحاكم النيسابوري: «أبو داود إمام أهل الحديث في عصره بلا مدافعة.»

وقال أبو بكر الخلال: «أبو داود سليمان الأشعث، الإمام المقدّم في زمانه رجلٌ لم يسبقه إلى معرفته بتخريج العلوم، وبصره بمواضعها أحدٌ في زمانه، رجل ورع مقدم.»

وقال أحمد بن محمد بن ياسين الهروي: «سليمان بن الأشعث أبو داود السجزي، كان أحد حفاظ الإسلام لحديث رسول الله وعمله وعلله وسنده، في أعلى درجة النسك والعفاف والصلاح والورع، كان من فرسان الحديث.»

وروي أن كتاب السنن قُرئ على ابن الأعرابي فأشار إلى النسخة، وهي بين يديه، وقال: «لو أن رجلاً لم يكن عنده من العلم إلا المصحف الذي فيه كتاب الله ثم هذا الكتاب – أي سنن أبي داود -، لم يحتج معهما إلى شيء من العلم البتة.»

وقال ابن داسة: «كان لأبي داود كم واسع وكم ضيق فقيل له في ذلك فقال الواسع للكتب والآخر لا يحتاج إليه.»

وقال إبراهيم الحربي: «لما صنف أبو داود كتاب السنن ألين لأبي داود الحديث كما ألين لداود الحديد.»

وقال محمد بن مخلد: «كان أبو داود يفي بمذاكرة مائة ألف حديث وأقرّ له أهل زمانه بالحفظ.»

وقال ابن الجوزي: «كان عالماً حافظاً عارفاً بعلل الحديث، ذا عفاف وورع وكان يشبه بأحمد بن حنبل.»

وقال الذهبي: «بلغنا أنًّ أبا داود كان من العلماء حتى إن بعض الأئمة قال: كان أبو داود يشبه أحمد بن حنبل في هديه ودله وسمته، وكان أحمد يشبه في ذلك وكيع، وكان وكيع يشبه في ذلك بسفيان، وسفيان بمنصور ومنصور بإبراهيم، وإبراهيم بعلقمة، وعلقمة بعبد الله بن مسعود،

وقال علقمة: كان ابن مسعود يشبه بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم في هديه ودله.»

وأنشد أبو طاهر السلفي في مدحه فقال:

أولى كتاب لذي فقْه وذي نظرٍ         ومن يكون من الأوزار في وزر

ما قدْ تولى أبو داود محْتسبًا          تأليفه فأتى كالضوء في القمر

لا يستطيعُ عليه الطعن مبتدع         ولو تقطع من ضغن ومن ضجر

فليس يوجدُ في الدُنيا أصحُ            ولا أقْوى من السنة الغراء والأثر

وكل ما فيه من قول النبي             ومن قول الصحابة أهلُ العلم والبصر

يرويه عن ثقة عن مثله ثقة          عن مثله ثقة كالأنجُم الزهر

وكان في نفسه فيما أحق              ولا أشك فيه إماماً عالي الخطر

يدري الصحيح من الآثار يحفظُهُ             ومن روى ذاك من أنثى ومن ذكر

محققا صادقاً فيما يجيء به قد شاع         في البدو عنه ذا وفي الحضر

والصدقُ للمرء في الداريْن            منقبة ما فوقها أبداً فخرٌ لمفتخر 

مؤلفاته:

ك وأهم مؤلفات الإمام أبي داود: كتاب السنن (قسمه إلى كتب والكتب إلى أبواب).

المراسيل، والزهد، والبعث، وتسمية الأخوة، والقدر، ودلائل النبوة، وابتداء الوحي، وفضائل الأعمال، والدعاء، والمسائل.

وتوفي في السنة ذاتها التي توفي بها أبو داود الشاعر محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن العنبيس الضميري وهو القائل:

كم عليل عاش من بعد يأس

بعد موت الطبيب والعواد

قد تصاد القطا فتنجو سريعاً

ويحل البلاء بالصياد

ان لأبي داود مؤلفات أخرى غير كتابه السنن: المراسيل، ويحتوي على الأحاديث المرسلة المُلحقة بالسنن، حققه شعيب الأرناؤوط وعبد العزيز عز الدين السيروان وغيرهما، ذكر فؤاد سزكين أن مخطوطاته محفوظة في تركيا ومصر، وطبع أول مرة في القاهرة سنة 1310 هـ.

مسائل الإمام أحمد، كتاب في الفقه على مذهب أحمد بن حنبل، ومُرتَّب على أبواب الفقه، يذكر فيه أبي داود الأسئلة التي وُجِّهت لابن حنبل وإجاباته لها، ذكر ابن حجر العسقلاني أن أبا عبيد محمد بن علي بن عثمان الآجري هو راوي الكتاب عن أبي داود، حققه محمد رشيد رضا، وطبع أول مرة بالقاهرة بتحقيقه.

الناسخ والمنسوخ، يتحدث عن الناسخ والمنسوخ من أحكام القرآن، رواه أحمد بن سليمان النجاد عن أبي داود، ونقل جلال الدين السيوطي عنه.

سؤالات أبي عبيد محمد بن علي بن عثمان الآجري، هو كتاب في الجرح والتعديل، سماه ابن كثير “أسئلة في الجرح والتعديل والتصحيح والتعليل”، وذكر سزكين بعنوان أن مخطوطاته محفوظة في مكتبة كوبريللي وباريس.

رسالة أبي داود إلى أهل مكة، هو رسالة تعتبر بمثابة وصف لكتاب السنن، ومخطوطتها في المكتبة الظاهرية في دمشق.

الزهد، وتوجد منه نسخة بجامعة القرويين بفاس.

كتاب البعث أو البعث والنشور، ذكر بروكلمان أنه موجود في دمشق، وطبع حديثًا بتحقيق أبي إسحاق الحويني.

سؤالات أبي داود السجستياني للإمام أحمد بن حنبل في الراوة، أو أسئلة لأحمد بن حنبل عن الرواة والثقات والضعفاء، مخطوطته محفوظة بالمكتبة الظاهرية بدمشق، قال محمد ناصر الدين الألباني: «رتبت أسماؤهم على أسماء بلادهم، ثقات مكة، ثقات المدينة، وينتهي بضعفاء المدينة.»

كتاب القدر أو الرد على أهل القدر، رواه أبو عبد الله محمد بن أحمد بن يعقوب المتوثي البصري، يرد فيه على القدرية.

المسائل التي حلف عليها الامام أحمد، ذكر فؤاد سزكين أنه موجود في دمشق، وهناك كتاب بنفس الاسم يُنسب إلى ابن أبي يعلى.

كتاب تسمية الإخوة الذين روي عنهم الحديث، وهي رسالة من ثماني ورقات محفوظة في المكتبة الظاهرية بدمشق، وهي من رواية السّلفي.

دلائل النبوة، ذكره إسماعيل البغدادي، وابن حجر العسقلاني.

التفرد في السنن، ذكره إسماعيل البغدادي.

مسند مالك، رواه إسماعيل بن محمد المطار، وذكره ابن حجر العسقلاني. وأصحاب شعبة، و رواه عنه أخوه محمد بن الأشعث. وفضائل الأنصار. وأخبار الخوارج. والدعاء.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق