دينقصص من التاريخمقالات

اكرم هلال يكتب عن الأئمة الست  ” الأمام البخارى ” الجزء الأول

 

بقلم / اكرم هلال

بعد أنْ انتقل النبي – صلّى الله عليه وسلّم- إلى الرّفيق الأعلى كان صحابته الكرام يروي بعضهم عن بعض ما سمعوه منه -عليه السلام-، ومن بعدهم كان التابعون يروون ما سمعوه عن الصحابة من حديث النبي – صلّى الله عليه وسلّم -، ومع بدايات ظهور الانقسامات والفرق والمذاهب, إبان مقتل “عثمان بن عفان -رضي الله عنه” كان لا بدّ من ضبط مسألة النقل في الحديث؛ فبدأ العلماء من الصحابة والتابعين بتحرّي ما يسمعوه من أحاديث نبوية، فلا يقبلوها حتى يعرفوا طريقها وتطمئن قلوبهم، وظهر حينها التثبّت بالإسناد، حيث كانوا يقولون: سمّوا لنا رجالكم، ولا يُخفى أنّ الإسناد ميزةٌ من مزايا الأمة الإسلامية، حيث انفردت بها عن باقي الأمم، وبالإسناد يتمكّن طالب الحديث من التّثبت من طريق الحديث عبر معرفة الرّواة؛ فيقف على صحته أو ضعفه، ولذا يعدّ علم الإسناد من أهم العلوم التي حُفظت بها السّنة من الدّس والوضع، وأخذ علم السّند مكانةً عظيمةً عند العلماء؛ حتى عدّوه سلاح المؤمن في وجه من يبغي شرّاً أو زللاً في حديث رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-، ويكشف اهتمام السّلف الصالح بعلم الإسناد عن أهمية السنّة النبوية ومكانتها في التّشريع الإسلامي، ونتيجةً لما ناله علم السّند من اهتمامٍ بالغٍ وعنايةٍ فائقةٍ، فقد دُونت كتب الحديث منذ النصف الأول من القرن الثاني الهجري، وأطلق عليها اسم المسانيد، وهو اسم يُظهر الاهتمام الواضح بمسألة الإسناد، حتى غدت هذه المسانيد عمدةَ ما يُرجع إليه من علماء الحديث الذين خلفوهم في تدوين السّنة النبوية.

واستمرت العناية بالسّنة المطهرة بشكلٍ متسارعٍ، حتى إذا جاء القرن الثالث كان علم الحديث قد بدأ يتشكّل بعلمٍ مستقلٍ، له فنونه وأصوله وعلومه، مثل: علم الحديث الصحيح، وعلم المرسل، وعلم الأسماء والكُنى، وهكذا، وكان الإمام البخاري قد رأى أنْ تصنّف الأحاديث على غير طريقة المسانيد، بل تبعاً لموضوعاتها بهدف تسهيل الوصول إليها، وتبعه في هذا المنهج كثيرٌ من المصنّفين في الحديث النبوي،غير أنّ الإمام البخاري كان له تميّزٌ وتفرّدٌ عن غيره في مسائل كثيرة؛ فمن هو الإمام البخاري، وكيف كانت نشأته، وما الظروف التي كوّنت شخصيته العلمية الفريدة، وماذا قدّم في سبيل خدمة الدّين ونشر علوم الشريعة؟

الإمام البخاري:

يعدّ الإمام البخاري واحداً من أهمّ شيوخ الحديث، حيث انتهت إليه رئاسة الحديث في زمانه، وقد بلغ التصنيف في الحديث القمة بفضل جهوده، وأكرمه الله – تعالى- بكتابه الجامع الصحيح لأحاديث النبي – صلى الله عليه وسلم-، وقد تلقّته الأمة بالقبول، وبلغت شهرته الآفاق، حتى غدا أصحّ كتابٍ بعد كتاب الله تعالى، وفيما يأتي وقفاتٌ عاجلةٌ على أهمّ المحطات التي مرّ بها الإمام البخاري:

مولدة  ونشأتة:

في مدينة “بخارى” وُلد “محمد بن إسماعيل البخاري” بعد صلاة الجمعة في (13 من شوال 194هـ = 4 من أغسطس 810م)، وكانت بخارى آنذاك مركزًا من مراكز العلم تمتلئ بحلقات المحدِّثين والفقهاء، واستقبل حياته في وسط أسرة كريمة ذات دين ومال؛ فكان أبوه عالمًا محدِّثًا، عُرِف بين الناس بحسن الخلق وسعة العلم، وكانت أمه امرأة صالحة، لا تقل ورعًا وصلاحًا عن أبيه.

والبخاري ليس من أرومة عربية، بل كان فارسيَّ الأصل، وأول من أسلم من أجداده هو “المغيرة بن برد زبة”، وكان إسلامه على يد “اليمان الجعفي” والي بخارى؛ فنُسب إلى قبيلته، وانتمى إليها بالولاء، وأصبح “الجعفي” نسبًا له ولأسرته من بعده.

إنَّ تاريخ الإسلام لم يشهد مثله في قوة الحفظ، ودقة الرواية، والصبر على البحث، مع قلة الإمكانات، حتى أصبح منارة في الحديث، وفاق أقرانه وشيوخه على السواء، بل فاق كل العرب مع كونه ليس عربيًّا..!!

نشأة البخاري:

نشأ البخاري يتيمًا؛ فقد تُوفِّيَ أبوه مبكرًا، فلم يهنأ بمولوده الصغير، لكن زوجته تعهدت وليدها (محمد واحمد) بالرعاية والتعليم، تدفعه إلى العلم وتحببه فيه،

فعندما كان قدر الله أن يموت والد البخاري وهو ما زال طفلًا صغيرًا، لينشأ يتيمًا في حجر أمه، كان قدر الله أيضاً أن يمنحة أم قامت على تربيته أحسن تربية.. لتُري أمهات المسلمين خاصة وأمهات الدنيا عامة – الأرامل منهن خاصة وغيرهم عامة – كيف تكون تربية الأبناء.. وما هو دور الأم في جهادها لرفعة الأمة والنهوض بها؟.

فلم تكن بداية البخاري الطفل ككل الأبناء؛ إذ ابتلاه الله عز وجل في صباه بفقدان بصره، لكنَّ أمه الصالحة لم تنقطع صلتُها بربها، وكانت تتودد إليه ليل نهار، وهي تدعوه سبحانه راجية أن يرد على صبيها بصره.. ويشاء الله أن يسمع دعاءها حسب الرواه، فيأتيها (إبراهيم عليه السلام) يبشرها في المنام يقول لها: “يا هذه، قد ردَّ الله على ابنك بصره لكثرة دعائك”.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد أنعم الله عز وجل عليه وهو ما زال في طفولته بالنجابة والذكاء، ووهبه سبحانه ذاكرةً قويَّة، قلَّما وهبها غيرَه، حتى كان آية في الحفظ.

وقد زادت أمه من العناية به، وتعهدته بالرعاية والتعليم والصلاح، فكانت تدفعه إلى العلم وتحببه فيه، وتزين له أبواب الخير.. فنشأ البخاريُّ مستقيم النفس، متين الخلق، محبًا للعلم، مقبلًا على الطاعة.. حتى ما كاد يتم العاشرة إلا وكان قد حفظ القرآن الكريم، وبدأ يتردد على الشيوخ والمحدثين.

وفي هذه السنِّ المبكرة مالت نفسه إلى الحديث، ووجد حلاوته في قلبه؛ فأقبل عليه محبًا، حتى إنه ليقول عن هذه الفترة: “ألهمت حفظ الحديث وأنا في المكتب (الكُتّاب)، ولي عشر سنوات أو أقل”. كانت حافظته قوية، وذاكرته لاقطة لا تُضيّع شيئًا مما يُسمع أو يُقرأ، وما كاد يبلغ السادسة عشرة من عمره حتى حفظ كتب ابن المبارك، ووكيع، وغيرها من كتب الأئمة المحدثين.

شيوخ الإمام البخاري:

اهتمّ العلماء بذكر شيوخ البخاري فسمّاهم بعض العلماء ورتّبهم على الأقطار كالذهبي في سير أعلام النبلاء، ورتّبهم بعضهم حسب الطبقة كالحافظ ابن حجر في هدي الساري، ورتّبهم بعضهم حسب عدد الروايات، ورتّبهم بعضهم على حروف المعجم. قال الإمام النووي: «هذا الباب واسع جدًا لا يمكن استقصاؤه، فأنبه على جماعة من كل إقليم وبلد، ليستدل بذلك على اتساع رحلته، وكثرة روايته، وعظم عنايته».

أما شيوخه الذين أكثر عنهم جداً في الصحيح، ولهم عنده أكثر من مائة رواية : عبد الله بن يوسف التنيسي، وقد فاقت رواياته عنه الثلاثمائة رواية، علي بن عبد الله المديني فاقت مروياته المائتين، أبو اليمان الحكم بن نافع، موسى بن إسماعيل التبوذكي، عبد الله بن محمد المسندي، أبو نعيم الفضل بن دكين، محمد بن بشار المعروف ببندار، قتيبة بن سعيد، سلمان بن حرب، أبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، محمد بن المثنى .

أما المتوسطون الذين لهم دون المائة رواية وأكثر من خمسين: عبد العزيز بن عبد الله الأويسي، عبد الله بن الزبير الحميدي، إبراهيم بن موسى، إبراهيم بن المنذر، محمد بن يوسف الفريابي، محمد بن كثير، حفص بن عمر .

أهم شيوخه:

ومن أهم شيوخه الذين بلغوا رتبة الإمامة في العلم والدين : الإمام أحمد بن حنبل وإن لم يرو عنه في الصحيح، وإسحاق بن راهويه روى عنه نحو الثلاثين رواية، وأحمد بن صالح المصري، وأبو نعيم الفضل بن دكين، وغيرهم .

ولعل أعظمهم تأثيراً في نفس الإمام البخاري وشخصيته، وأجلهم مرتبة عنده هو الإمام علي بن المديني رحمه الله، حيث قال البخاري فيه: ” ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني “.

زاد عدد شيوخ الإمام البخاري عن ألف شيخٍ من العلماء الثقات الاعلام، ويعبر البخاري عن ذلك بقوله: “كتبت عن ألف ثقة من العلماء وزيادة، وليس عندي حديث لا أذكر إسناده”. ويحدد عدد شيوخه فيقول: “كتبت عن ألف وثمانين نفسًا ليس فيهم إلا صاحب حديث”، ومن أشهر شيوخ البخاري الذين روى عنهم: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وإسحاق بن راهويه، وعلي بن المديني، وقتيبة بن سعيد، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو حاتم الرازي.

ملامح شخصيته:

تمتع الإمام البخاري بصفات عذبة وشمائل كريمة ، لا تتوافر إلا في العلماء المخلصين ، وهذه الصفات هي التي صنعت الإمام البخاري .

الإقبال على العلم , قام البخاري بأداء فريضة الحج وعمره ثماني عشرة سنة فأقام بمكة يطلب بها الحديث ثم رحل بعد ذلك إلى سائر مشايخ الحديث في البلدان التي أمكنته الرحلة إليها وكتب عن أكثر من ألف شيخ.

الجد في تحصيل العلم , وقد كان البخاري يستيقظ في الليلة الواحدة من نومه فيوقد السراج ويكتب الفائدة تمر بخاطرة ثم يطفىء سراجه ثم يقوم مرة أخرى وأخرى حتى كان يتعدد منه ذلك قريبا من عشرين مرة .

من كرم البخاري وسماحته:

قال محمد بن أبي حاتم كانت له قطعة أرض يؤجرها كل سنة بسبع مائة درهم فكان ذلك المؤجر ربما حمل منها إلى أبي عبد الله قثاة أو قثاتين لأن أبا عبد الله كان معجبا بالقثاء النضيج وكان يؤثره على البطيخ أحيانا فكان يهب للرجل مائة درهم كل سنة لحمله القثاء إليه أحيانا.

قال وسمعته يقول كنت أستغل كل شهر خمس مائة درهم فأنفقت كل ذلك في طلب العلم فقلت كم بين من ينفق على هذا الوجه وبين من كان خلوا من المال فجمع وكسب بالعلم حتى اجتمع له فقال أبو عبد الله .: ما عند الله خير وأبقى.

وكان يتصدق بالكثير يأخذ بيده صاحب الحاجة من أهل الحديث فيناوله ما بين العشرين إلى الثلاثين وأقل وأكثر من غير أن يشعر بذلك أحد وكان لا يفارقه كيسه.

ورع البخارى:

قال محمد بن إسماعيل البخاري ما وضعت في كتاب الصحيح حديثا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين.

قال محمد بن أبي حاتم ركبنا يوما إلى الرمي ، فجعلنا نرمي وأصاب سهم أبي عبد الله البخاري وتد القنطرة الذي على نهر ورادة فانشق الوتد فلما رآه أبو عبد الله نزل عن دابته فأخرج السهم من الوتد وترك الرمي وقال لنا ارجعوا ورجعنا معه إلى المنزل فقال لي يا أبا جعفر لي إليك حاجة مهمة قالها وهو يتنفس الصعداء، وقال لمن معنا اذهبوا مع أبي جعفر حتى تعينوه على ما سألته فقلت أية حاجة هي قال لي : تضمن قضاءها؟ قلت نعم على الرأس والعين. قال: ينبغي أن تصير إلى صاحب القنطرة فتقول له إنا قد أخللنا بالوتد فنحب أن تأذن لنا في إقامة بدله أو تأخذ ثمنه وتجعلنا في حل مما كان منا وكان صاحب القنطرة حميد بن الأخضر الفربري. فقال لي أبلغ أبا عبد الله السلام وقل له أنت في حل مما كان منك وجميع ملكي لك الفداء وإن قلت نفسي أكون قد كذبت، غير أني لم أكن أحب أن تحتشمني في وتد أو في ملكي فأبلغته رسالته فتهلل وجهه واستنار وأظهر سرورا وقرأ في ذلك اليوم على الغرباء نحوا من خمسمائة حديث وتصدق بثلاث مائة درهم.

وقال ابن أبي حاتم ورأيته استلقى على قفاه يوما ونحن بفربر في تصنيفه كتاب التفسير وأتعب نفسه ذلك اليوم في كثرة إخراج الحديث فقلت له إني أراك تقول إني ما أثبت شيئا بغير علم قط منذ عقلت فما الفائدة في الاستلقاء قال أتعبنا أنفسنا اليوم وهذا ثغر من الثغور خشيت أن يحدث حدث من أمر العد فأحببت أن استريح ؛ فإن فاجئنا العدو كان بنا حراك.

وضيفه بعض أصحابه في بستان له وضيفنا معه فلما جلسنا أعجب صاحب البستان بستانه وذلك أنه كان عمل مجالس فيه وأجرى الماء في أنهاره فقال له يا أبا عبد الله كيف ترى فقال هذه الحياة الدنيا.

وكان الحسين بن محمد السمرقندي يقول كان محمد بن إسماعيل مخصوصا بثلاث خصال مع ما كان فيه من الخصال المحمودة كان قليل الكلام وكان لا يطمع فيما عند الناس وكان لا يشتغل بأمور الناس كل شغله كان في العلم.

قوة حفظه وذاكرته:

وهب الله الإمام البخاري منذ طفولته قوة في الذكاء والحفظ من خلال ذاكرة قوية تحدى بها أقوى الاختبارات التي تعرض لها في عدة مواقف.

منها ما قاله محمد بن أبي حاتم الوراق سمعت حاشد بن إسماعيل وآخر يقولان كان أبو عبد الله البخاري يختلف معنا إلى مشايخ البصرة وهو غلام فلا يكتب حتى أتى على ذلك أيام فكنا نقول له إنك تختلف معنا ولا تكتب فما تصنع فقال لنا يوما بعد ستة عشر يوما إنكما قد أكثرتما على وألححتما فاعرضا على ما كتبتما فأخرجنا إليه ما كان عندنا فزاد على خمسة عشر ألف حديث فقرأها كلها عن ظهر قلب حتى جعلنا نحكم كتبنا من حفظه ثم قال أترون أني أختلف هدرا وأضيع أيامي فعرفنا أنه لا يتقدمه أحد.

كما قال ابن عدي حدثني محمد بن أحمد القومسي سمعت محمد ابن خميرويه سمعت محمد بن إسماعيل يقول أحفظ مائة ألف حديث صحيح وأحفظ مائتي ألف حديث غير صحيح .

قال وسمعت أبا بكر الكلواذاني يقول ما رأيت مثل محمد بن إسماعيل كان يأخذ الكتاب من العلماء فيطلع عليه اطلاعة فيحفظ عامة أطراف الأحاديث بمرة.

كان الإمام البخاري يقول قبل موته : كتبت عن ألف وثمانين رجلا ليس فيهم إلا صاحب حديث كانوا يقولون الإيمان قول وعمل يزيد وينقص.

انتظرونا فى الجزء الثانى من الأئمة الست ” الامام البخارى” 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق