مقال رئيس مجلس الإدارةمقالات

اكرم هلال يكتب / القضية الفلسطينية في السينما (1)

 

 

تزخر الدراما العربية والمصرية على وجه الخصوص بقصص الحب والوجد والترف. كما تزخر بقضايا الجريمة والبلطجة والتسلية, تناقش الغش والخداع والرزيلة والبحث عن الذات وزواج المال بالسلطة.

لا يمكنني أن أجزم أن تناول تلك الموضوعات قد يؤثر سلبا أو ايجاباً, ولكن يمكنني أن أؤكد على أن فيلماً مثل حكايات الغريب أستطاع ان يضع نموذج للبطل المصري. يمكنني أن أؤكد أن الرصاصة مازالت في جيبي حفر في الذاكرة نموذج من نماذج حرب أكتوبر وأن الطريق الى ايلات مازال يمنح مادلين طبر اللبنانية دفئ خاص في قلوب المصريين حب خاص للفتاة الفلسطينية.

 ولكن للأسف القضية الفلسطينية نفسها لم تحظى الا بعدة أعمال ونماذج لم ترتقى منذ نشأتها لتفنيد القضية الفلسطينية.

فإذا رصدنا تلك الأعمال وما تقدمه سيكون محدودا بل هشاً أمام ما تمثله القضية الفلسطينية والقدس من أهمية في تشكيل الوجدان العربي.

فكيف نظر الفن المصري/العربي للقضية الفلسطينية أو تعامل معها، تلك هي الحكاية … حكاية تخص العرب يتوحدون بها وتمثل ثقافة راسخة في وجدان شعوبها ” الارض لأصحابها، عودة اللاجئين والمهاجرين، القدس عاصمة فلسطين، دولة فلسطين الحرة “. فهل رسخت السينما أو التليفزيون تلك العناوين أو تناولتها أم هي كانت مجرد شعارات وتيمات لتعريف بهوية العرض.

وبالرغم من أن انطلاقة السينما المصرية قد سبقت نكبة فلسطين بنحو عشرين سنة إلا أنها ظلت بعيدة عن بؤرة اهتمام صناع السينما في مصر، وكانت مأساة فلسطين قد بدأت مبكرا مع اتفاق «سايكس- بيكو» ووعد «بلفور» المشئوم عام1917، وربما يُعزى ذلك إلى أن مصر نفسها كانت تحت ظل الاحتلال البريطاني البغيض.

ولكن وفي السنوات التي سبقت نكبة فلسطين بقليل كانت صناعة السينما المصرية قد ازدهرت خاصة بعد إنشاء «ستوديو مصر» حتى أن الانتاج السنوي بلغ عشرين فيلما عام 1940.

ومع التأكيد على أن اندلاع الحرب العالمية الثانية كان بمثابة ضربة قاصمة لصناعة السينما في مصر التي ما إن وضعت الحرب أوزارها حتى صارت مقصدا لكل من كون ثروة باستغلال ظروف الحرب؛ فظلت لأعوام تقدم أفلاما عديمة القيمة تعبر عن تلك الطبقة الطفيلية التي صارت فجأة في دائرة الضوء. فرغم أن عدد الأفلام وصل إلى اثنين وخمسين فيلما عام1946، إلا أن معظمها كان من هذا النوع قليل القيمة الفنية والدرامية، ولم يستطع مبدعو السينما الجادة في «استوديو مصر» إلا إنتاج عدد قليل جدا من الأفلام لم تستطع الوقوف أمام طوفان القبح.

فيلم ” فتاة من فلسطين “

يعد فيلم ” فتاة من فلسطين ” باكورة الأعمال التي قدمتها السينما المصري

ة عن القضية الفلسطينية عام 1949 بطولة سعاد محمد وعزيزة أمير, وأخراج محمود ذو الفقار ، والذى تدور أحداثة حول ضابط طيار مصرى يستبسل في الدفاع عن الأرض الفلسطينية ضد العدو الصهيوني، ويحدث ذات غارة جوية أن تسقط طائرته في قرية فلسطينية وتعثر عليه “سلمى” الفلسطينية مصابًا في قدمه فتستضيفه في منزلها وتعمل على تطبيب جراحه مما يقرب بين القلبين المصرى والفلسطينى. ثم يتعرض الفيلم لقصص الفدائيين الفلسطينيين اللذين يفضلون الموت على الاحتلال الصهيونى ثم نعرف أن منزل سلمى ما هو إلا مركزًا لسلاح الفدائيين، يعجب الطيار المصرى بالفتاة سلمى وشجاعتها حتى يتبادلان الحب ويتزوجان في عرس فلسطينى يغزله الفدائيين بالشكل الشعبى الفلسطينى ويعود الطيار المصرى لاستكمال رسالته في الدفاع عن فلسطين.

ورغم تعرض الفيلم لكثير من النقد الناتج عن الميلودراما التي سيطرت عليه في ذلك الوقت، وبالرغم من المبالغة في الأغاني، في أوقات كثيرة اثناء تناول قصة الفيلم وفى أماكن غير مناسبة، والتي أفقدته أية دلالة إيجابية، ورغم أن النتيجة جاءت على نحو ساذج، يخدم فقط أغراض السوق التجاري للسينما المصرية ان ذاك” إذ كان يفترض أن ينتهي الفيلم بالتأكيد على أن مصير مصر وفلسطين هو مصير مشترك، الا أنه أيضا بدأ نوع من أنواع التعريف بالقضية.

فالفيلم أكد من خلال قصته البسيطة على عدة معان غاية في الأهمية، منها حقارة العدو الصهيوني وغدره الذي لا حدود له، ورغم زيادة الأغاني أو الاناشيد كان أمرا شديد الإيجابية في وقت سادت فيه أدوار الخلاعة والمجون.

فيلم ” نادية “

ثم تلاه فيلم ” نادية ” الفيلم المصري الثاني الذي تم إنتاجه عام 1949، من إخراج فطين عبد الوهاب، وبطولة عزيزة أمير ومحمود ذو الفقار، وهو أول فيلم قام بإخراجه فطين عبد الوهاب. لكنه عرض عام 1953، وفيه كانت فلسطين تلعب دور ثانوي في الفيلم حيث استشهد أخو البطلة التي تتحمل مسؤولية أخوتها في حرب فلسطين ويتقدم صديق ذلك الاخ لخطبتها فتقرر استكمال دورها في المسؤولية العائلية كاشفة له عن حب شقيقتها الصغرى له.

ورغم الثغرات الكثيرة في الخط الدرامي والتسطيح الفكري للفيلم ” لانتقاله الغريب من ميلودراما المعاناة والتضحية إلى ميلودراما المغامرة، دون الإشارة إلى طبيعة الحرب العربية ـ الإسرائيلية، وأسبابها، وأغراضها” الا أنه حمل بين طياته الاشارة الى وجود حرب عربية اسرائيلية.

وفي أجواء حرب فلسطين 1948 تنتنج الشاشة المصرية فيلمان ما بين 1953 – 1955، يشيران إلي صفقة الاسلحة الفاسدة التي وردت عام 1948 والتي تسببت في خسارة الحرب لكنها كانت مفجرة لثورة يونيو 1953 والتخلص من النظام الملكي ” الفاسد ”

«أرض الابطال»

يبدأ المخرج نيازي مصطفى من بطولة كوكا وعباس فارس تصوير فيلمه «أرض الابطال» في مدينة العريش بإذن خاص من السيد جمال عبد الناصر وزير الداخلية آنذاك، وقد تناول الفيلم قضية الأسلحة الفاسدة، وتضمن بعض المشاهد الحربية التي وصفت بالضعف، لكن عيوب الفيلم في القصة والسيناريو والإخراج جعلته يمثل ردة عن سابقيه، بدلا من أن يكون خطوة للأمام.

حيث كانت تدور أحداث الفيلم حول أحد الشباب الذى يُصدم عندما يعلم أن والده الثري قرر أن يتزوج الفتاة التي يُغرم بها، فيتطوع في الجيش، ويشترك في الحرب. وفي مدينة غزة يلتقي بفتاةٍ فلسطينية، ويتحابان ويقرران الزواج، فيقوم الأب بتوريد أسلحة فاسدة إلى الجيش، تكون سببًا في فقدان الابن لبصره في خلال إحدى العمليات. إخراج نيازي مصطفي.

«الله معنا»

وفي أواخر عام 1955، يقدم المخرج أحمد بدر خان فيلمه «الله معنا» وهو الفيلم الذي بلغ درجة عالية من الإتقان وتكاملت فيه عناصر النجاح ، بدءا من القصة التي كتبها إحسان عبد القدوس، وكان أول من فتح ملف الأسلحة الفاسدة في الصحافة مرورا بالأداء الهادئ والمتزن لأبطال العمل، وليس انتهاء بالتوفيق الذي صادفه المخرج في كل ما قام به؛ ليخرج «الله معنا» وثيق الصلة بحرب فلسطين وما جرى فيها من أحداث مثلت سببا رئيسا من أسباب اندلاع الثورة على الحكم الملكي.

وفيه يذهب الضابط عماد للمشاركة في حرب فلسطين بعد أن يودع خطيبته ابنة عمه التاجر الثري ، وخلال الاحداث يصاب عماد ويتم بتر ذراعه ، ويعود مع عدد من الجرحى والمشوهين وهذا يؤدي إلى حركة تذمر بين رجال الجيش معتقدين أن هناك رجالا وراء توريد الأسلحة الفاسدة للجيش ومنهم والد نادية.

وهنا يتكون مجموعة من الضابط الأحرار الذين أخذوا على عاتقهم أن ينتقموا لوطنهم ، يطلب عماد من نادية البحث في أوراق والدها على دليل يؤيدهم ، وعند القبض على والد نادية يموت إثر انفجار قنبلة يدوية فاسدة . وتنتهى الأحداث بالإطاحة بملك البلاد وتحرير الوطن. الفيلم من إخراج على بدرخان ومن بطولة فاتن حمامة وعماد حمدي وماجدة ومحمود المليجي.

«أرض السلام»

وهنا يدلي العملاق كمال الشيخ بدلوه في بئر القضية بتقديم عمل من أفضل ما قدمته السينما المصرية في هذا الشأن، وهو فيلم «أرض السلام» إنتاج 1957، والفيلم يتناول ما قام به الفدائيون المصريون ضد العدو الصهيوني في فلسطين، واضطرار أحدهم إلى اللجوء إلى قرية فلسطينية للتخفي لبعض الوقت بعد إصابته،

قدم «الشيخ» خلال الفيلم الفتاة الفلسطينية كما ينبغي أن تقدم.. شجاعة وواعية ومدركة إلى أبعد حدود آفاق الصراع وحتميته.  

يحسب للفيلم أنه أول الأفلام التي صورت داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، فهو الأول من نوعه يصور داخل الأراضي المحتلة لكنه لم يخرج من النمطية في الصورة الذهنية عن ” فلسطين والقضية الفلسطينية” حيث يحكي عن أحمد الفدائي المصري الذي يختفي داخل قرية فلسطينية، تتعاون معه أيضاً ” سلمى ” ، وهي إحدى فتيات القرية. يصور الفيلم معارك الفدائيين من أجل تحرير فلسطين والصعوبات العديدة التي يلاقونها من نسف خزانات الوقود. وبعد انتهاء أي عملية يعود أحمد مع “سلمى” دون أن يتمكن الإسرائيليون منهما.

وكالعادة تنمو علاقة صداقة ثم حب بين أحمد و “سلمى”   تنتهي بالزواج.

أخذ هذا الفيلم أكثر من ثلاث اسابيع في دور العرض نظرا لأبطاله فاتن حمامة وعمر الشريف نجوم ذلك العصر.

والمتفحص للنص السينمائي للفيلم سيعي كم السذاجة العاطفية، وضيق الأفق، والتناول، اللتين سيطرتا على الخط الدرامي، فلم يخلقا شكلاً سينمائياً، يعبر عن مضمون متماسك، أو حتى يحلل العلاقات والمواقف بين مصر والقضية الفلسطينية، باعتبارها تشكل جزءاً من مصير الوطن العربي كله، وهو ما يظهر، بشكل هامشي، ولكنه أيضا يكتشف اكتشافين خطيرين

  • أن أى علاقة مع سلمى الفلسطينية تنتهى بزواج البطل منها

  • أنه على كل أسرة فلسطينية أن تسمى “سلمى” فربما يأتي يوم يحضر فيه “جوز سلمى” المخلص الذى سيمنح فلسطين الخلاص

 انتظرونا والجزء الثانى

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق